الأمير السفير محمد بن نواف: الرجل الذي استأثر بمكانة في قلوب الجميع !

0

حين بدأت كتابة المقال جال في ذهني بسرعةٍ خاطفةٍ ما قاله الشعراءُ في الوداع من ذمٍّ وكرهٍ؛ لأنه فراقٌ لمن تألف وتحبّ .. ومع أنّه قد يسهلُ على بعض الناسِ نسيان التجربةِ المثمرة والثريّةِ لتغير الظرُوف والأحوال.. ولكن هذه التجربةَ حين تكون كثيرة الثراء متعدّدة الجوانب استغرقت سنين من العُمر يكون من الصُّعوبة بمكان تجاهلُها، كما يكون من الصعوبة الحصول على سردٍ أمينٍ لا يتخلله نسيانُ شيء من التفاصيل المؤثرة. ولايسهلُ على المرء التحدّث عن أميرٍ أو مسؤولٍ في أوج عطائه وتألّقه؛ لأن بعض الناس قد يتّهمك بالتملّق .. ولست ممن يكيلون المديحَ والثناءَ بالّلسان، ولكني أحسُّ بالعرفان والتقدير بإخلاصٍ غامرٍ في قلبي وتتبعُه نفسي بصدقٍ بالغٍ…

كان من توفيق الله أن عاصرتُ وعملتُ مع مجموعة من الشخصياتِ التي تمتّع كل منها بمزايا وطريقةٍ في العمل وجدتُ فيها جوانبَ نافعةٍ لا تراها في الكتبِ بل تتعلمُها من خلال الممارسة، ولعلي أتمكنُ من جمع جذاذاتهِا وتسطيرِها في مذكراتٍ مفيدةٍ.. وأذكر هنا بعضَهم من سلكِ السفراء السفيرَين الراحلَين عباس غزاوي و د. غازي القصيبي والأميريَن المبجلَين تركي الفيصل ومحمد بن نواف بن عبدالعزيز، والذي تشرف َمؤخراً بتعيينه مستشاراً لخادمِ الحرمين الشريفين الملكِ سلمانِ بن عبد العزيز -وفقه الله- بعد سنواتٍ من العمل سفيراً للمملكة في المملكة المتحدة.

شخصيةُ الأمير محمّد بن نواف ليست شخصيةً تمرّ بها ولا تحسّ باختلافِها، وليست وجهاً كسائر الوجوه التي تراها، ولا ترى الفرق بينها وبين غيرها، بل هي شخصيةٌ تشغل بال المراقبِ والزميلِ من عدة زوايا : من الجانب الإداري والجانب الأخلاقي والجانب الوطني والجانب العملي. فمن حيثُ الأخلاق هي شخصيةٌ ساطعةٌ جاذبةٌ مؤثرةٌ وذات كاريزما خاصّة ليست كاريزما الخشية بل كاريزما الهدوء والثقة والقوة النّاعمة التي تتخلل عقلَك وتخاطب قلبَك … عملت مع سموّ الأمير كثيراً، والتقيت به في اجتماعاتٍ لا أحصيها كثرةً على مدى سنوات طويلة، وفي مواقف عديدة ومتنوعة: مواقف أزمات ومعضلات ومواقف إنجازات ومشروعات ومواقف أخوية ومواقف توجيهية … كان يتجلى فيها كلها شخصاً يستولي عليك من أول جولةٍ بهدوء الطبع ودماثةِ الخلق ونفاذِ النظر، تشعرُ معه بالأمان والسكينة، وإن خالفته الرأي ويجعلك تغير قرارك في كثير من المواقف لأسباب جديدة رأى هو مناسبتها وبكل تشجيع …ولا زال كثيرٌ من الأصدقاء العرب والإنجليز الغربيين والمسلمين من جميع الجاليات يقول لي ويكرر في أكثر من مناسبةٍ إعجابهم بخلق هذا الرجل ولطافة معشره وتقديره البالغ لحسن الخلق وحسن التعامل ووقعه في النفوس…ومن المعلوم أن الغربيين متحفظون في الثناء المفرط وخاصة الإنجليز منهم !

في الجانب الوطني هو فنّان لوحته حب الوطن وريشته وألوانه الأخلاق الجميلة والرأي الصائب وهي أدوات يرسم لك بها في بريطانيا في كل يومٍ صورةً جميلةً لمملكتنا الحبيبة بلاد الحرمين الشريفين بما لها من مكانة ٍ في النفوس وموقع في القلوب…فلدى سمو الأمير محمد بن نواف إحساس مرهف بالمسؤولية تجاه الوطن وكل كلماته للأبنائنا وبناتنا من الطلاب والموظفين والموظفات تؤكد على تمثيل الوطن وسمعة الوطن ودور الوطن من خلال الملحقية الثقافية التي جسدت هذه المسؤولية فهو يذكّرنا في كل اجتماعٍ ولقاء يدور المملكة وواجبنا تجاهها ورعايتها للجميع… وقد ظهر لي هذا الجانب بوضوح لأني أتعامل مع الأقليات الإسلامية والعربية على تنوع مشاربها وتعدد أهوائها… وللقارئ الكريم أن يتصور ذلك البحر الضخم من الجاليات ومنظمات المجتمع المدني والتعامل معه…وكيف كان هذا الأمير السفير قائداً لنا ورافعاً رايةً نهتدي بها وسراجاً من نورٍ من البصيرة وسداد الرأي في وسط هذا البحر العظيم.

وفي الجانب الإداري جمع بين القرار والحكمة وأذكر من المواقف التي لا أنساها لسموه حبه للخير وعون الآخرين، فكم مشكلات عالجناها وتعاملنا معها فرأيت فيه حدب الأب واستشراف المسؤول وبعد نظره وحنكة الموجه ورأفة المعلم…. كانت حكمته في المعالجة نادرة وإنصافه للمواطن والموظف ظاهر وإن انتقد تصرفه أو عاتبه فعنده يظل الحق حقاً للموظف والواجبُ واجباً والخطأ خطاً ولا تمتزج الأمور. وهذه ميزة رائعة.

ويكفي أن أشير هنا إلى ما تحقق من توسع للمركز الثقافي الإسلامي في الرؤية والعمل بدعم سموه الكريم ودعم إخوانه أصحاب السعادة السفراء العرب والمسلمين أعضاء مجلس الأمناء من وسطية وتوسع في العلاقات وفتح رؤية جديدة للمستقبل مع الجميع حتى صار مركز جميع الجاليات ومكاناً للنسامح ونشر الاعتدال….كان يحثني على التعاون مع المجتمع المدني وتوثيق العلاقات بالجميع والصبر على المخالف وفهم الظروف والأحوال الملابسة لكل موقفٍ قبل الحكم عليه، لأن المملكة كبيرة القدر والمكانة وذات سقفٍ عالٍ يحتوي الجميع ويؤوب إليه الجميع. وأعطى الكثير من وقته في خدمة المواطنين والطلاب المبتعثين والطالبات ويسّر كثيراً من الأمور لحل مشكلاتهم وتكريس الجهد لشؤونهم. وسياسة الباب المفتوح والقلب الطيب آتت ثمارها واستوعبت الجميع .

ومع شدة رياح الإعلام في الغرب أحياناً كان للأمير محمد بن نواف في توضيح صورة المملكة العربية السعودية مواقف مشرفة مؤثرة… ومازلت أذكر مقالته في العام الماضي في الغارديان البريطانية والتي علّق فيها على تقرير نقله مقرر الأمم المتحدة “بن إيمرسون” حيث صحح له الكثير من المغالطات، مؤكداً أن المملكة تدعم الحق ضمن الإطار القانوني والقضائي، وتحدث عن تحربة المملكة مع مكافحة الإرهاب وسن تشريعات مكافحته بصورة إصلاحية وبصورة تنفيذية صارمة لمن يستحق العقاب….وأنه لا يتم إصدار الحكم على أي شخص إلا بعد إثبات إدانته، والأحكام تعكس خطورة الجريمة ….، ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى المقالة.

وفي الجانب الدبلوماسي ارتفع وعي العموم بمصداقيته خذ مثلاً تصريح رئيس لجنة الشؤون والعلاقات الخارجية في البرلمان البريطاني سنة 2014 م السيد ريتشارد أوتاوي أن على الحكومة البريطانية الاقتناع بتصريح سفير المملكة في بريطانيا الأمير محمد بن نواف أنه لا دور للمملكة في تمويل التطرف والإرهاب وأن لا نتغافل عن ضلوع بريطانيين في مناطق نزاع كسوريا أو عن دور التأجيج الطائفي في العراق…

أما الجانب التجاري وهو أفق من آفاق رؤية المملكة الجديدة 2030 فمع نمو اقتصاد المملكة وتأثير الزيارات الرسمية منذ عهد المغفور له بإذن الله خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله ثم زيارة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان شهدت العلاقات السعودية البريطانية بتنسيق ومتابعة سمو السفير نمواً مستمراً ففي سنة 2008 م بلغت صادرات المملكة في بريطانيا حوالي 750 مليون جنيه، في حين أنها في سنة 2017 م قفزت إلى مليارين تقريباً حسب مكتب الإحصاء الوطني البريطاني. كما أعلن منتدى الأعمال السعودي البريطاني أن الاستثمارات السعودية في بريطانيا تجاوزت 60 مليار جنيه. وهذا ليس جرداً لمنجزات الأمير الكثيرة والملحقية التجارية ولكنه غيض من فيض وغصن من دوحة ..

ومع تهنئتي لسموه بموقعه الجديد مستشاراً لدى سيدي خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله ووفقه إلى كل خير – وسعادتنا بهذه الثقة ، ولكن يعزّ البعاد وتستوحش النفوس للفراق ولا أستطيع أن أودع سمو الأمير إلا بأن أقول كما قال الشاعر :

ومن يكُ لا يدومُ له وصالٌ وفيه حين ينصرفُ انقـلابُ

فإن مــودّتي لهــــمُ وشـــكري على حالٍ إذا شهدُوا وغابُوا

ونستقبل السفير الجديد مهنئين بنفوس مفعمةٍ بالصدق والإخلاص والمعونة على ما فيه مصلحة الدين والوطن والخير للجميع، مع وافر التمنيات بالسداد والنجاح فلندن ملتقى طرق العالم ومطبخ ثقافي وسياسي كبير.

أحمد الدبيان – إيلاف

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.