هيومن رايتس تضبط الجيش اللبناني بالأدلة المشهودة بقتله لـ5 سوريين تحت التعذيب

0

• شاهد رأى جثة أحد الضحايا: لم يكن يشبه الإنسان، كان لحمه ممزقا

• طبيب مختص.. الإصابات واسعة وناجمة عن التعذيب وأي كلام عن وفاة طبيعية ينافي الوقائع

• الجيش اللبناني رفض منح “هيومن رايتس” إذناً لدخول عرسال، كما تجاهل الرد على تساؤلاتها

أكدت أشهر منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان في العالم تعرض سوريين للتعذيب الجسدي المفضي للموت، خلال احتجازهم من قبل الجيش اللبناني أثناء هجومه على مخيمات للاجئين في منطقة عرسال (شمال شرق لبنان).

وفي تقرير نشرته يوم الخميس بخصوص واقعة قتل السوريين تحت التعذيب، دعت “هيومن رايتس ووتش” السلطات اللبنانية إلى إجراء تحقيق مستقل وشامل وشفاف في وفاة السوريين أثناء احتجازهم لدى الجيش.

وفيما أقر الجيش اللبناني يوم 4 الشهر الحالي بوفاة 4 سوريين كانوا محتجزين لديه، قالت المنظمة إنها تلقت لاحقا تقارير موثوقة تفيد بأن محتجزا سورياً خامسا قضى أيضا أثناء الاحتجاز.

وأفادت المنظمة عن قيام طبيب مختص بمعاينة صور 3 ضحايا قدمها محامو العائلات للمنظمة، وأظهرت كدمات وجروح منتشرة بكثرة.

وبعد معاينة الصور، أكد الطبيب أن الإصابات تتناسب “مع الأذى الناجم عن التعذيب البدني”، وأن “أي بيان مفاده أن وفاة هؤلاء الأفراد أسبابها طبيعية لا يتفق مع هذه الصور”.

ولفتت “هيومن رايتس” إلى تواصلها مع 5 معتقلين سابقين، قالوا إن أفراد الجيش اللبناني ضربوهم وأساؤوا معاملتهم مع معتقلين آخرين.

وفيما ادعى ضابط لبناني أن الجيش يحقق في الواقعة وسيعلن نتائج التحقيق، قالت “سارة ليا ويتسن”، مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة إن “وعد الجيش اللبناني بالتحقيق في هذه الوفيات المروعة خطوة إيجابية، إلا أن الوعد سيكون بلا معنى دون مساءلة شفافة ومستقلة لأي شخص يثبت ارتكابه اعتداءات”.

وتابعت: “يستحق الرأي العام اللبناني وعائلات السوريين الذين ماتوا في الاحتجاز معرفة ما حدث لهم بوضوح، ومعاقبة المسؤولين عن ذلك. لسوء الحظ، لدى السلطات اللبنانية تاريخ حافل بفتح تحقيقات ردا على الضغط العام، لكن دون إنهائها أو نشر نتائجها”.

*تكرر الإفلات من العقاب

في 30 يونيو/حزيران، أعلن الجيش اللبناني أنه داهم مخيمين للاجئين السوريين في عرسال، وأن “انتحاريين” واجهوه، كما تعرض لعبوة ناسفة وقنبلة يدوية أسفرت عن إصابة 7 جنود.

وفي 15 يوليو/تموز، أصدر الجيش بيانا، قال فيه إنه احتجز 356 شخصا بعد هذه المداهمات، وأحال 56 شخصا للمحاكمة، و257 إلى الأمن العام لأنه ليس بحوزتهم إقامات، بينما عملت “هيومن رايتس” أن أطفالا كانوا من بين المحتجزين.

وقالت المنظمة إنها لم تتمكن من التأكد من تقارير تفيد بأن لاجئين سوريين لقوا حتفهم خلال المداهمات نفسها، لكن مصدرا في “عرسال” قال إن البلدية تلقت 9 جثث، لا تشمل الرجال الخمسة الذين ماتوا أثناء الاحتجاز.

وقد تحدثت “هيومن رايتس” مع اثنين من المقربين لشخصين من الضحايا، حيث أكد الشاهدان أن الضحيتين لم يكن لديهما أي ظروف صحية خطيرة لدى اعتقالهما، خلافا لما زعمه بيان الجيش اللبناني، من أن المحتجزين قضوا نتيجة “مشاكل صحية مزمنة”.

وفضلا عن الضحايا الأربعة الذين أقر الجيش بموتهم (مصطفى عبد الكريم عبسة، خالد حسين المليص، أنس حسين الحسيكي، عثمان مرعي المليص)، فقد تلقت “هيومن رايتس” قبل أيام تقارير تفيد بأن محتجزا سوريا خامسا هو توفيق الغاوي (23 عاما) توفي في الاحتجاز بعد أن نقله الجيش إلى مستشفى إلياس الهراوي الحكومي.

وقال شاهد في عرسال رأى جثة الضحية قبل دفنها: “توفيق لم يكن يشبه الإنسان، كان لحمه ممزقا”.

وأشارت المنظمة إلى وجود أدلة إضافية تدعم روايات إساءة المعاملة والتعذيب أثناء الاعتقالات في عرسال، ومنها شهادة لأحدهم قال فيها إنه عاين 34 معتقلا سابقا لديهم علامات على أيديهم وأرجلهم وظهورهم، كما عاين حالة شخص كانت العلامات على رأسه بادية.

وأفاد 5 معتقلون سابقون أنهم تعرضوا لسوء المعاملة والاعتداء البدني وحُرموا من الطعام والماء، مع عدد من عدد من المعتقلين الآخرين، خلال فترة احتجاز امتدت بين 4 و5 أيام.

وعمدت “هيومن رايتس” إلى مراسلة الجيش اللبناني للاستفسار عن عدد المعتقلين أو المصابين أو الذين قتلوا خلال مداهمات الجيش، وعدد الذين ما زلوا رهن الاحتجاز، لكن المنظمة لم تتلق أي رد، بل إنها لم تمنح إذناً لدخول عرسال والتحقق، رغم أنها طلبت هذا الإذن بشكل رسمي.

ونوهت المنظمة بأن القانون الدولي يلزم لبنان بالتحقيق في الوفيات أثناء الاحتجاز، ومحاسبة المسؤولين عن ذلك، وأنها ومنظمات أخرى كثيرا ما وثقوا تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية والجيش، معتبرة أن “الإفلات من العقاب على العنف مشكلة متكررة في لبنان”.

وأضافت: “حتى عندما يشرع المسؤولون في تحقيقات في حالات الوفاة أو التعذيب أو سوء المعاملة، فإن التحقيقات غالبا لا تنتهي أو لا تُنشر نتائجها”، نافية –أي المنظمة- علمها بأي حالات محاسبة لأفراد عسكريين.

*أمام القضاء العسكري

فصّلت “هيومن رايتس” في طبيعة بعض الأدلة الحسية، موضحة أنها تلقت 28 صورة لثلاثة من الرجال الذين ماتوا في الاحتجاز، أخذت في مستشفى إلياس الهراوي الحكومي بزحلة.

وأكد محامو عائلات الضحايا أنهم لم يتمكنوا من العثور على جثة “عثمان المليص” (الضحية الرابعة التي أقر الجيش بوفاتها).

الطبيب “هومر فينترز” مدير البرامج في منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان”، والذي لديه خبرة في توثيق التعذيب، عاين الصور وأصدر تقريرا قال فيه: “تكشف الصور عن صدمات جسدية واسعة النطاق في الأطراف العلوية والسفلية. يشير غياب الجروح الدفاعية إلى أن هذه الإصابات وقعت حين كان الضحايا مقيدين أو عاجزين لأسباب أخرى، وأن توزّع هذه الإصابات يتناسب مع الأذى الناجم عن التعذيب البدني. تظهر عدة صور تمزقات ناجمة عن التعليق من المعصمين”.

وتابع: “من المعقول الاستنتاج أن وفاة هؤلاء الرجال أتت نتيجة للعنف أثناء الاحتجاز، رغم أن السبب الدقيق للوفاة لا يمكن تبيانه استنادا إلى المعلومات والصور المقدمة، لكن أي بيان مفاده أن وفاة هؤلاء الأفراد أسبابها طبيعية لا يتفق مع هذه الصور”.

أما التقارير الطبية الرسمية الخاصة بثلاثة من الضحايا، فتزعم أنهم تعرضوا لنوبات قلبية وسكتة دماغية، وأنه لم تظهر على جثثهم علامات عنف.

وقد حصلت محامية تمثل عائلات الضحايا على إذن قضائي يخول طبيبا شرعيا بفحص الجثث وتشريحها والتأكد من سبب الوفاة، وبعد أخذ العينات الطبية إلى مستشفى “أوتيل ديو” في بيروت لتحليلها، طلب عناصر مخابرات الجيش من المحامية تسليم ما بحوزتها، وقد سلمتها لهم بعد أن أمرها النائب العام التمييزي بذلك.

وأكدت المحامية أن تدخل الجيش حال دون حصولها مع عائلات الضحايا على نتائج الفحص بالأشعة السينية والتصوير المقطعي والتشريح، كما منع نشر النتائج للعلن.

ولفتت المحامية إلى أن التحقيق في وفاة الضحايا يتم أمام المحكمة العسكرية الآن، وهو ما سبق أن حذرت منه “هيومن رايتس” مرارا، خشية التأثير على استقلال ونزاهة واختصاص المحكمة العسكرية، إذ إن غالبية القضاة ضباط عسكريون غير مطالبين بالحصول على شهادات في القانون، كما إن المحاكمات تجري خلف أبواب مغلقة.

أما المعتقلون الخمسة السابقون الذين تواصلت معهم المنظمة، فأكدوا أن الأجهزة التي احتجزتهم قيدت أيديهم، وغطت رؤوسهم بقمصانهم، ووضعتهم على الأرض تحت الشمس، وتم ضربهم أو الدوس على أي شخص يرفع رأسه.

وقال أحد هؤلاء المعتقلين السابقين: “حركت رأسي قليلا، فضربني جندي على الفور بحذائه على رأسي”، فيما أفاد آخرون أن الجهات التي احتجزتهم كدستهم في شاحنات “فوق بعضهم البعض، كما لو كانوا يشحنون أكياس البطاطا”، ونقلتهم إلى مواقع احتجاز متعددة.

قال المعتقلون السابقون إن أفراد الجيش احتجزوا أكثر من 100 في غرفة واحدة طوال الليل، ولم يقدموا لهم الطعام أو الماء، ولم يسمحوا لهم باستخدام الحمام، بل “كانوا يضربون من يطلب الذهاب إلى الحمام”، وفق شهادة معتقل يبلغ الستين.

ولخص معتقل أخر بعض ما عاناه وعاينه: “ضربوا الناس، بعضهم بهراوات، وآخرون بأعقاب البنادق. رأيت جنديا في الخارج يخز أحد المحتجزين من النافذة بسيخ معكوف. ضربه، ثم بدأ يجرح وجهه… حتى خرج الدم”.

وأفاد أحد المحتجزين السابقين، أن ابنه ما زال رهن الاعتقال حتى اليوم وأنه لا يعرف ما حدث له”، علما أن القانون اللبناني يحدد المدة القصوى للاحتجاز من دون تهمة بـ 96 ساعة.

زمان الوصل

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.