مدينة الباب بعد التحرير.. سرقات وألغام ودمار

0

أخبار السوريين: لا تبدو مدينة “الباب” السورية المحرّرة منذ وقت قريب من قبضة تنظيم الدولة كغيرها من البقع الجغرافية التي حررت على يد عملية “درع الفرات” التي يقودها الجيش السوري الحرّ بدعم تركي، حيث تختلف الشوارع هاهنا، ويختلط خواء البيوت وصيحات من كانوا، بغبار الركام والدمار، ويقطع صمت البيوت في كل فينة وأخرى، صوت الألغام المتروكة كأفخاخ للقادمين.

في الثالث والعشرين من شهر شباط من العام الجاري، أعلنت فصائل “درع الفرات” عن كامل سيطرتها على مدينة الباب، والتي رزحت لثلاث سنوات كاملة تحت حكم تنظيم الدولة، الذي أذاق المدينة الويلات، بعد أن هَجّر معظم أهلها وفرض قوانينه، ونفذ إعدامات ميدانية بالعشرات بحق أبنائها لتتحوّل المدينة بعد عام واحد إلى أحد أكبر معاقل التنظيم في ريف حلب الشرقي، ما أرخى نتائجه على المدنيين بداخلها، فضلاً عن القصف الكثيف الذي تعرضت له من قبل قوات التحالف الدولي، بذريعة وجود التنظيم فيها، فاستحال معظم ما فيها إلى ركام وأطلال، لتدخل قوات “درع الفرات” إليها خاوية على عروشها، إلا من ألغام التنظيم وتراب الأبنية المدمّرة.

رغم الدمار.. عودة سريعة للأهالي

ما لبث أن أُعلن عن تحرير المدينة، حتى سارعت جحافل المدنيين المنتمين إليها بالعودة سريعاً، حتى حفلت قوائم أصحاب الحرف الورش والتصليحات بمئات طلبات العمل.

يقول أبو محمود وهو عامل بناء لـ أورينت نت: “لقد بتنا نمنح الناس الذين يريدون إعادة إعمار بيوتهم أرقاماً، بسبب الطلب الشديد على العمال”.

ويضيف أبو محمود: “الناس عادوا سريعاً إلى بيوتهم وباشروا إعادة إعمارها وتصليحها، وأنا منهم”.

وأشار إلى أنه “عندما يقصد شخص عامل صحية على سبيل المثال، أو حداد ويقوم أولئك بمنح الناس أرقاماً لانتظار الدور، فهذا مؤشر على ما ستؤول إليه المدينة في الأيام القليلة القادمة”، وهو بالتأكيد ما يعني أنها ستنهض عما قريب.

ويمكن لزائر الباب اليوم، أن يلحظ بقوة كيف تتسلّل الحياة إلى الأزقة والشوارع، فما يلبث الليل أن يهبط، ويعود الصبح إلى الطلوع، حتى ترى محالاً تجارية أو مطاعم قد انبثقت، وكانت قبل يوم فقط غير موجودة.

إلى ذلك ذكر “جمعة كزاز” وهو عضو في المجلس المحلي للمدينة في تصريح لـ أورينت نت، إن نسبة الأهالي الذين عادوا إلى بيوتهم تعادل نحو 20 إلى 30 بالمئة، وهي نسبة تزيد كل يوم بمعدل 7% تقريباً.

من جهته يقول محمود صباغ، عضو المجمع التربوي في الباب 0،إن كلّ مدني خرج من المدينة يعود الآن إليها، مشيراً إلى أن نسبة السكان الذين خرجوا من المدينة تفوق الـ 90 بالمئة.

مجلس محلي ومؤسسة أمنية..

وبالتوزاي مع التسلّل السريع للحياة في المدينة المدمّرة، فإن مجلسها المحلي المنشئ أصلاً قبل سيطرة تنظيم الدولة عليها، عاد اليوم إلى العمل بهيكلية جديدة، ليواجه أعتى المصاعب، بدءاً بمشكلة المياه، مروراً بمئات الألغام المزروعة في شوارع المدينة وصولاً إلى السرقات.

وفي تصريح خاص لـ أورينت نت، أكّد جمعة كزّاز عضو المجلس المحلي، أن أوّل أولوية للمجلس الآن، هي إزالة مخلفات القصف من ركام وأتربة تملأ المدينة.

ويضيف كزاز: “أنجزنا ما يقارب 60% من العمل في الشواريع الرئيسية، وما زالت الشوارع الفرعية مليئة بالأتربة وآثار الدمار، وسنقوم خلال الأيام القادمة بإتمام العمل عليها.

وعن الوضع المعيشي، يقول كزاز إن أبرز احتياج الآن هو الخبز، حيث تم افتتاح أوّل فرن بعد التحرير، بطاقة إنتاجية تقدر بـ 12 طن يومياً، والعمل جارٍ على باقي الأفران.

وأشار كزاز، إلى أنه يتم سدّ ثغرات النقص من الخبز بتوزيع 500 إلى 1000 ربطة خبز يومياً، تأتي من خارج المدينة.

لا مياه..

تعاني مدينة الباب، كغيرها من البلدات والقرى الخارجة عن سيطرة النظام، من نقص الخدمات الأساسية وعلى رأسها المياه والكهرباء، ولكن في مدينة كالباب، تبدو مشكلة المياه أكثر صعوبة.

ويروي محمد صالح أحد سكان المدينة لـ أورينت نت، أن المدينة لا تعرف المياه ولا الكهرباء، منذ زمن بعيد، ومع وجود التنظيم كانت الاستعاضة عن الأمر بالآبار، وأحياناً من محطة “الخفسة” التي كان يسيطر التنظيم عليها، وسيطرت قوات الأسد عليها مؤخراً.

أما جمعة كزاز عضو المجلس المحلي، فيرى أن الحلّ البديل المتمثل بالآبار لا يكفي أبداً، فالصهاريج تُعبئ من تلك الآبار، ومع تزايد عدد السكان الكبير سيكون هناك نقص هائل.

وأشار الكزاز إلى أنه من المحتمل أن يكون هناك دور تركي لحل هذه الأزمة، خاصة بعد اجتماع والي ولاية كلّس التركية مع مجلس المدينة المحلي الجديد، حيث تم طرح جميع المشاكل، ونالت وعوداً من الطرف التركي بالحلّ.

ومن المعروف أن مشروع الري الذي كان من المفترض أن ينجز وتم إيقافه لعدة أسباب، أدى إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية، ما ينذر بأزمة كارثية في حال لم يوجد الحل في وقت قريب.

ألغام التنظيم قتلت العشرات.. ولا مختصين لتفكيكها!

تعدّ مشكلة الألغام التي زرعها عناصر تنظيم الدولة في شوارع المدينة وبيوتها من أكبر المشاكل التي تواجه مدينة “الباب” حالياً، حيث بلغ عدد الألغام المفكّكة حتى الآن 1700 لغماً، فيما انفجرت عشرات الألغام وأودت بحياة عشرات من المدنيين.

وشهدت المدينة منذ أن أعلن عن تحريرها، انفجار عشرات الألغام بالمدنيين، حيث زرع التنظيم تلك الألغام في كل مكان، كالشوارع، والأبواب، وحتى الأدراج والخزانات داخل البيوت، ما دفع السكان للحذر الشديد، وخلق الأمر حاجزاً نفسياً لدى العائدين إلى بيوتهم.

يقول موسى وهو من أقرباء أحد العوائل التي فقدت ضحايا في الألغام لـ أورينت نت، إن هناك بطئاً شديداً في تفكيك الألغام، حيث ما تزال الشوارع الفرعية في المدينة مغلقة خوفاً من وجود تلك الألغام.

ويضيف موسى، “انفجر لغم بعائلة أحد أقربائي، وذلك أثناء محاولتهم الدخول إلى بيتهم الذي أخرجوا منه قبل ثلاثة أعوام”.

من جهته، يقول جمعة كزاز عضو المجلس المحلي، إنه ليس هناك فرق مختصّة بتفكيك الألغام، وما تم تفكيكه حتى الآن يقارب 1700 لغماً، تم على أيدي شابين فقط من المدينة هما “أبو الليل كحاط، وأبو الفضل نعساني”، وهما غير مختصين بتفكيك الألغام، وإنما يمتلكان خبرة في الأمر فحسب.

 

وعن الجهود التركية حيال الأمر، أوضح كزاز، أن المجلس اجتمع مع الجانب التركي واتفق على تزويد المدينة بجملة من الخدمات كالكهرباء والماء، وضمناً حل مشكلة الألغام.

وألمح كزاز إلى أن عدداً من المنظمات الدولية زارت المدينة بغية حل مشكلة الألغام، إلا أنها كانت تأتي لتلقط الصور وتنصرف بعد ذلك.

الوضع الأمني.. ومؤسسة أمنية حديثة

ومن الناحية الأمنية، علمت أورينت نت أن المدينة شهدت عقب التحرير حملة سرقات شعواء، طالت البيوت والمحال التجارية، وحتى أكبال الكهرباء، كان بطلها بحسب شهادات من الأهالي فصيل معيّن منضوٍ ضمن فصائل “درع الفرات”.

واتهم عدد من الأهالي ممن حاورتهم أورينت نت، فصيلاً معيناً بالقيام بهذه الأفعال، إلا أن جمعة كزاز عضو المجلس المحلي أكد أن مؤسسة أمنية مشكّلة من جميع الفصائل تم تشكيلها منذ وقت قريب، هي الآن بصدد تفعيل الشرطة المحلية داخل المدينة، نافياً أن يكون هناك توجهاً عاماً من قبل فصيل معين باتجاه أعمال السرقة والنهب.

وذكر كزاز، أن تلك التصرفات قد تكون فردية، مشيراً أن هناك اعتقاداً سائداً لدى بعض الأفراد في الفصائل المقاتلة في “درع الفرات” مفاده أن جميع من كان يعيش في ظل حكم تنظيم الدولة، هم موالون للتنظيم، أو من أفراده، لكن هذا الأمر غير صحيح.

وشكلت المؤسسة الأمنية بقيادة محمود جبلي، من جميع الفصائل، وبحسب “كزاز” فإن مداخل ومخارج المدينة أغلقت، ليتم سحب الفصائل العسكرية منها، وإحلال الشرطة المحلية مكانها.

مدارس بحاجة الترميم..

ترافقت فترة سيطرة التنظيم على مدينة الباب، بحالة عامة من التجهيل، حيث منعت المدارس بشكل كامل، وتم الاستعاضة عنها بالمساجد، التي كان التنظيم يديرها، حيث ينحصر التعليم فيها على القرآن الكريم، ومبائ القتال والسلاح، ما أفرز جيلاً بحاجة إلى أبسط أساسيات التعليم.

المدارس قصفت بطبيعة الحال، لاستخدامها في غالب الأحيان كمقرات من قبل التنظيم، وفي أحيان أخرى، للأعتقاد أنها مقرات له، ما يجعلها من الاستحالة إلى العودة إلى عملها في المنظور القريب.

 

ويقول محمد صباغ عضو المجمع التربوي في مدينة الباب في حديث لـ أورينت نت إن هناك 12 مدرسة متضررة في المدينة، وجميعها بحاجة إلى ترميم بسبب القصف.

ويضيف أن لجنة تدعى “إعادة الاستقرار” تابعة لمكتب التعليم، زارت تلك المدارس، ووثقت الأضرار رغم خطر الألغام.

كأي مدينة كانت تحت قبضة التنظيم، تحتاج مدينة الباب، إلى كل شيء وبحالة إسعافية، الأمر الذي قد يستمر لأشهر طويلة قبل أن تعود الحياة إلى طبيعتها، إلا أن سرعة الأهالي في العودة والمباشرة في البناء وإعادة الإعمار، كانت مفاجئة، ما يشي ببارقة أمل، قد تعيد المدينة إلى سابق عهدها في وقت قصير.

تجدر الإشارة إلى أن تنظيم الدولة كان يحوي أحد أكبر سجونه في مدينة الباب، كونها المعقل الأكبر له في الريف الشرقي لحلب، إلا أن فصائل درع الفرات لم تجد أحداً في تلك السجون، وما يتم تداوله بين الأهالي يفيد أن التنظيم نقل جميع سجنائه إلى مدينة “الرقة ومسكنة” قبل الانسحاب من المدينة، ما يترك مصير مئات المغيبين قسرياً في سجون التنظيم مجهولاً.

أورينت نت

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.