كرد سوريون أم كردستانيون؟

0

أخبار السوريين: طرح التدخل العسكري التركي في شمال سوريا، عبر ما أطلق عليه عملية “درع الفرات” وإعلانه مواجهة حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب ومعطوفا عليهما، قوات سوريا الديمقراطية، بزعم إنها واجهات لتنظيم إرهابي اسمه حزب العمال الكردستاني pkk، قضية نقل الصراع المسلح بين تركيا والحزب الكردستاني إلى سوريا.

ذاك الصراع الذي قاده حزب pkk في تركيا منذ عام 1984 ولم يتوقف إلا بعد اعتقال زعيمه المؤسس عبد الله أوجلان، وندائه لأنصاره من معتقله الانفرادي في جزيرة ايمر بإلقاء السلاح والدخول في العملية السياسية، وتغيير عقيدة الحزب القائمة على المقاومة المسلحة، ومن ثم انتقل إلى شعار الأمة الديمقراطية كحل نهائي وأخير. وتبعا لعدوى المأزق السوري المنتقل إلى الساحة التركية، توقفت العملية السياسية وبدأت المواجهات بين الطرفين التركي والكردي تنذر بمرحلة يصعب التكهن بنتائجها ضمن الاشتراطات الحالية.

في أحد جوانبه، طرح هذا التدخل “جرابلس بداية” ومسألة نقل الصراع الكردي ـ التركي إلى الساحة السورية كإعلان إضافي لاعتبارها ملعبا لتصفية أزمات عابرة للحدود، من أزمة الإسلام السياسي العابرة للقارات إلى المأساة الكردية التي لم تجد معبرا لها إلى الحل سوى في المحيط العربي، عبر تحققها في تجربة إقليم كردستان العراق، وشكل العلاقة بينها وبين محيطها العربي، بغض النظر عن العلاقة المتوترة مع ممثلي إيران في الحكومات العراقية المتعاقبة منذ غزوها عام 2003 .

أول جوانب المسألة وأكثرها قسوة هي زاوية تناولها في المشهد الإعلامي العربي، حيث تغيّب العربي عن المشهد وباتت علامات السعادة الظاهرة عليه بتغييبه والاستيلاء على أرضه من قبل قوة مجاورة، سبق أن ضمت أراضي سورية لملكيتها، لواء اسكندرون، مشهدا يذكر بالاحتفال الشهير لأتباع إيران من الشيعة العرب بسقوط بغداد 2003، كأن جرابلس وغيرها من مدن وقرى جغرافيات خاصة بأكراد حزب العمال الكردستاني التركي، وقد حررها الجيش التركي منه، ومن غرائب الأمور إن بعض المعارضة التي تدّعي ذهابها إلى الحرب على الأسد حتى إسقاطه عسكريا، شاركت في هذا اليقين فدفعت بقوات محسوبة على الجيش الحر لمشاركة تركيا بحفلة تحقيق حلمها بنقل المعركة مع معارضتها إلى خارج حدودها.

من معيبات التناول العربي لمسألة الدخول التركي إلى جرابلس وريفها، ليس فقط غياب مآلات هذا الدخول، وإنما تجازف بمأساويتها بداهة خطيرة ألا وهي عروبة أهل جرابلس وتاريخ المدينة، حيث ظهرت المدينة وكأنها منطقة متنازعة بين أخوتنا التركمان السوريين المسعوفين بالدولة التركية القوية والكرد السوريين المسعوفين بحزب العمال الكردستاني التركي pkk بأذرعه الأخطبوطية المنتشرة من “سوريا الديمقراطية” حيث يمثلها سياسيا حزب الاتحاد الديمقراطي pyd، إلى إيران والعراق حيث التسميات والعناوين « الديمقراطية” الشاسعة، نعم لقد أسقط صاحب المكان، العربي الخاسر في الحكاية كلها، عن المشهد عربيا قبل تغييبه الطبيعي عن أي حسابات أخرى.

مقدمات تغييب العربي عن قيادة الحراك السوري، تجلت منذ لحظة إدخال الثورة إلى ملعب الحسابات الإقليمية والدولية، فالمقدمات الخاطئة تؤدي بالضرورة إلى نتائج خاطئة، ومن ناحية الموضوع الكردي، لم يتم تناول القضية في سوريا ببراغماتية يمكن البناء عليها، واعتبارها ركيزة من الدعائم التي نستند إليها في سيرنا نحو الانتقال إلى سوريا الديمقراطية المتعددة، بل العكس تماما فمنذ البداية وعلى عكس خطوات النظام الذي بدأ بمغازلة الكرد بإعادة الجنسية لعشرات الآلاف من المحرومين منها “أجانب محافظة الحسكة” منذ الإحصاء الجائرعام 1962، سلكت رموز المعارضة نهجا عدائيا حيال الكرد، ورفضوا الاعتراف الدستوري بهم واصطدمت كل محاولات التنسيق بين الأطراف السياسية الكردية وأطر المعارضة السورية التي تشكلت ضمن اشتراطات انتفاضة الحرية بحائط صد مسنود على تحالف مريب بين جماعة الاخوان المسلمين وبعض مجموعات المعارضة التقليدية الخارجة جميعها من تجربة مريرة مع نظام الأسد الأب، لم تسمح لها الظروف بتطوير قدراتها ورؤيتها للواقع، حتى كان دخولنا كديمقراطيين سوريين وانتخابي لمنصب رئيس الائتلاف الوطني لقوى المعارضة في يوليو 2013 رفقة جل الأحزاب السياسية الكردية ممثلة في المجلس الوطني الكردي.

تبع ذلك أن تم النظر إلى التقدم الكردي في ميادين مواجهة الفصائل الإرهابية بدعم دولي، أمريكي وروسي، و”دعم النظام حسب بعض الادعاءات السياسية الكردية” كأنه تحرك اعتيادي في مناطق حرب مشاعة لمن يملك القوة العسكرية فقط، ولم يُحْسَب أي حساب للحساسيات المتبادلة بين الكرد والعرب في مناطق بعينها، كما في مدينة الحسكة وأريافها، ولم يتداول الأخوة الأكراد فيما بينهم هشاشة المشروعية المستندة إلى خرائط الحق والمظلومية التاريخية ومؤامرات الآخرين، وهي سرديات تُذكر بمزاعم حزب البعث في رسم سياساته وخرائطه، ويكفي النظر إلى كارثية نتائج المزاعم القومية في طبعتها البعثية على المنطقة، ليستنتج الكرد إن تجريب المجرب هو ضرب من العبث الخطير، لا يمكن الوصول عبره إلى نتيجة سوى مواصلة النزيف، وبالتالي لا يمكن الحل إلا بجلوس الطرفين معا إلى طاولة الحوار العقلاني للتوصل إلى صيغة يتوفر فيها الحد الأدنى من القبول لدى جمهورهما استنادا إلى الواقع بالضرورة. أما البحث عن إرضاء الذات بالغور في بطون الكتب والأحلام الوردية في جر رقبة الراهن إلى ماضٍ لا يمكن استعادته، وبالتعويل على قوى خارجية، فلن توصل إلا لهاوية الاستمرار في القتال إلى ما لانهاية.

يلاحظ طرف سياسي من الكرد تراجعا مخيفا للوجود الكردي في سوريا طردا مع تقدم قوات وحدات حماية الشعب ypg على الأرض، إضافة إلى فقدان الحالة السياسية الكردية لدعامتها التعددية وتعبيراتها، حيث تتناقص قيمة المنجز الكردي مع تقدم هذه القوات في المناطق العربية تحديدا، كتكرار أبدي لم يستخلصه الساسة من دروس اندفاعات الجيران، لذا أصبح لزاما الإسراع باعتراف متبادل بين الساسة الكرد والعرب، أولا بإقرار العرب بوجود قضية كردية سورية، لا مجرد مشكلة أو مطالب ثقافية واجتماعية وسياسية، وبمراجعة الكرد لخطابهم السياسي بغية تنقيته من شوائب عائدة إلى تجارب اختبرت شعوب المنطقة نتائجها الوخيمة وما زالت تدفعه، من ضمن تلك الشوائب التي تثير الريبة لدى الشريك العربي ضبابية طرح هذه المسألة ومكانها، هل القضية الكردية السورية مطروحة كقضية سورية فقط؟ أم هي قضية عابرة للحدود الإقليمية، تتعلق بالدول المتقاسمة للوجود الكردي منذ تأسيس الدولة القومية في المشرق؟.

هل تتطلب حلا يتعلق بالكرد السوريين فقط؟ أم بجل الشعب الكردي في العالم؟ هل مسألة ربط المناطق الكردية بعضها ببعض يتضارب مع حقوق الشركاء العرب؟ هل يجوز حل قضية على حساب قضية أخرى؟ هل يجوز أن يفرض على العرب السوريين ضريبة نتائج الصراع الكردي التركي أو الكردي الإيراني حول مسألة الحقوق في البلدين، إذا اعتبرنا إن المسألة الكردية في العراق تعتبر نموذجا جاذبا، هل يعتبر الكرد السوريون قضيتهم في سوريا تفصيل مرحلي ضمن نضال أشمل يضم أكراد العالم؟ إذا كان شعار “الأمة الديمقراطية” لا ينطبق على الكرد أنفسهم في الاختبار الأول له حتى الآن، فكيف يمكن أن يجد تطبيقه العملي على العرب والمكونات السورية الأخرى؟ أليس من الأجدر بالكرد والعرب وغيرهم الانطلاق بالسياسة باعتبارها فن الممكن والواقع بدلا من الاحتكام إلى تاريخ متبدل لن يفيد في ترجيح حجة على أخرى؟.

عدم تفهم الكثير من النخب العربية لضرورات وجود حل واقعي للقضية الكردية في سوريا يجب ألا يشكل عائقا أمام النخب السياسية والفكرية الكردية عن طرح حل سوري لقضيتهم، يستند إلى التحليل الملموس للواقع ويأخذ بالاعتبار الفصل بين القضية الكردية في سوريا ونفسها في دول أخرى مثل تركيا، وهذا لا يتعارض البتة مع تضامن كردي عابر للحدود مع قضايا شعبهم أينما كانوا، مثله مثل حال العرب السوريين وارتباطهم وتضامنهم مع القضايا العربية، ولكن تبقى المسألة السورية بمختلف أوجهها وتشعباتها مسألة سورية بحتة، وتحتاج لحل يؤدي بالخروج بسوريا والسوريين من الاستعصاء التاريخي الذي كلما تأخرت الحلول النظرية له كلما استعرت النيران أكثر في المنطقة.

أحمد الجربا- رئيس تيار الغد السوري

القدس العربي

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.