ميلاد حرية الإنسان …

0

أخبار السوريين: من طبيعة الإنسان حب الإستعجال.. والعجلة.. وتشوقه الشديد.. ورغبته التواقة.. أن تمضي الأيام بسرعة.. وخاصة إذا كان في ضيق.. وشدة.. وبؤس ومعاناة.. وألم!!!

وهذا ما عبر عنه الله تعالى… في كتابه الكريم..

(خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ )…

( إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا )…

والسوري.. في هذه الأيام.. هو أكثر الناس طراً.. استعجالاً.. وتشوقاً.. ورغبة جامحة.. لإنقضاء الأيام بسرعة.. وعجلة.. ومعرفة ماذا سيحصل.. بل رؤية ماذا سيحصل في قادم الأيام!!!

لما يعانيه. . من آلام.. وأوجاع.. وأحزان.. ومآسي.. تعجز عن حملها.. الجبال الراسيات!!!

ولكن:

للحقيقة المجردة.. التي يجهلها كثير من الناس..

بل ويحاولون جهدهم.. أن يتعاموا عنها.. وينسوها تماماً..

بل ويمسحونها من ذاكرتهم..

هي:

أن الأيام القادمة.. ستكون أدهى.. وأمر..

إنها ستكون أشد مرارة من العلقم..

إنها ستكون أياماً دامية.. أكثر دموية مما هي عليه الآن. ..

وسيكون فيها التوحش.. أكثر مما عليه الآن..

وسيزداد أوار الحرب.. حتى يصل لهيبها عنان السماء.. ويجاوز الجوزاء…

لا أقول هذا الكلام.. للتيئيس.. والتقنيط.. وإشاعة الإكتئاب.. والإحباط.. والهزيمة في النفوس..

ولا رجماً بالغيب.. ولا معرفة بالتنجيم.. وأخواته…

معاذ الله..

بل… أنا أكثر الناس تفاؤلاً.. ويقيناً بأن النصر.. قادم لا محالة..

وأن المستقبل للإسلام.. لا شك في ذلك.. ولا ريب..

ولكن أولاً:

قراءة الواقع الميداني.. تشير إلى أن العالم بأجمعه.. أخذ يتعرى أكثر .. ويظهر حقده الدفين.. للإسلام..  وللثورة..

 علما بأنه كان متعرياً منذ بداية الثورة.. ولكن ما كان يكشفه إلا أولو الألباب..

أما الآن فقد أصبح ظاهراً للبسطاء.. والسذج من الناس..

وأصبح تعريه.. من باب الإستخفاف بالناس.. وكأنه يريد أن يقول لهم:

ألم تفهموا حتى الآن.. نوايانا.. وأهدافنا؟؟؟!!!

ألم تفهموا.. أننا نريد أن ندمركم.. ونسحقكم.. ونقضي عليكم؟؟؟!!!

لا نريد.. أن نر وجوهكم.. ولا نسمع تكبيراتكم.. ودعواتكم لربكم…

إننا نكرهكم.. أنتم.. ودينكم.. وثورتكم.. وربكم…

( وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحدَهُ ٱشمَأَزَّت قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ بِٱلأخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُم يَستَبشِرُونَ ).

هذا من جهة..

ومن جهة ثانية.. من باب الوقاحة.. والصفاقة.. والإستكبار.. والطغيان.. والغرور..

إنهم أصبحوا يقولون بشكل واضح:

لا نقبل.. بحكومة مسلمة.. متدينة.. تريد تطبيق الشريعة الإسلامة..

ولا حتى.. حكومة مسلمة.. غير متدينة.. وطنية.. ديموقراطية..

ولا حتى .. حكومة علمانية.. وطنية.. ديموقراطية.. حرة.. مستقلة.. لا تخضع لنا..

نعم لحكومة أقليات.. نصيرية.. شيعية.. نصرانية.. تخضع لنا..

وإلا:

ستأخذ عمليات التصفية.. وكسر العظم.. واستخدام كل الأسلحة التي استخدمت.. والتي لم تُستخدم بعد.. للقضاء المبرم.. على الإسلام.. والثورة.. وجميع الفصائل المقاتلة.. سواء المصنفة – حسب معيارهم – معتدلة.. أو إرهابية..

علماً بأنهم أصلاً.. لا يؤمنون بوجود فصائل معتدلة – كما صرحوا مرات عديدة – وإنما كلها في نظرهم إرهابية..

ثانياً:    

 دائماً الإفراط في أي شيء.. والغلو فيه.. ينقلب إلى ضده..

فالإفراط في التفاؤل.. والأمنيات.. والتمنيات.. والأحلام.. وترقب حدوث النصر بعد أيام.. أو أشهر قليلة.. ينقلب إلى ضده.. ويولد في النفوس.. الإحباط.. والتشتت.. والتمزق.. والهزيمة الداخلية..

فها هو الفرح الشديد.. الذي حصل عند الناس.. عقب فك الحصار عن حلب…

والذي اعترضت عليه يومها بشدة..

وهاجمني بعضهم وقال:

دع الناس يفرحون.. إنهم لم يفرحوا منذ زمن طويل..

وكانت النتيجة.. أنه انقلب إلى ضده.. وعاد الحصار من جديد.. بل أقسى.. وأشد مما سبق..

وثالثاً:

حتى يأخذ الناس حذرهم.. ويوطنوا أنفسهم لمرارة الأيام القادمة.. ويستقبلوها بجلد.. وقوة.. وعزيمة لا تلين..

وألا يتفاجئوا بها.. فتعرُكهم عرك الرحى بثفالها …

كما قال زهير بن أبي سلمى في وصف الحرب:

فَتَعْرُكُكُم عرْكَ الرَّحى بـثـِفالها             وَ تَـلْقَـحْ  كِشافًـا  ثُـمّ  تُنْتَـجْ   فَـتُتْئِـمِ

فالأيام القادمة.. ستكون شديدة الوطأة.. حامية الوطيس.. كريهة الكرب.. متأججة اللظى.. مدلهمة السواد.. آلام المخاض.. مبرحة.. ثقيلة.. ورهيبة… وعنيفة…

لأن:

ولادة الحرية.. لا تزال متعسرة..

ولا تزال في الرحم.. تتخبط.. وتموج.. وتمور.. وتحاول أن تشق طريقها عبر قناة الولادة.. لتخرج…

ولكن:

لم يُفتح حتى الآن من الرحم.. إلا مقدار إصبع واحد.. غير كافٍ.. لولوج المولود عبر عنق الرحم..

ولا يزال الصريخ.. والعويل.. والبكاء.. والنحيب.. هو سيد الموقف..

لا تزال عضلات عنق الرحم.. صلبة.. قاسية.. متشنجة.. لا تلين.. ولا تتمدد مع طلقات المخاض المتكررة..

والعملية القيصرية.. خطرة جداً..

ولا بد من الإنتظار طويلاً.. حتى يتوسع عنق الرحم أكثر.. أو تزول مخاطر العمل الجراحي..

المخاض عسير.. ومرير.. ومؤلم..

لأن:

المولود.. ( الحرية ) .. كبير.. وذو شأن عظيم..

إنه مولود استثنائي.. متميز.. فريد.. وعظيم.. ليس كأي مولود..

إنه يحمل بإحدى يديه.. مشاعل النور.. والضياء.. والهناءة.. والسرور للإنسانية جمعاء.. ليبدد جيوش الظلام…

ويحمل باليد الأخرى.. سيفاً صارماً.. بتاراً.. ليكسر الأغلال.. ويحطم القيود.. ويقطع أصفاد العبودية.. لغير رب العالمين.. ويقهر الطواغيت..

ويُعيد العبيد.. للعبودية لرب العبيد…

وليتحقق على أرض الواقع.. قول الفارس ( ربعي بن عامر ) الذي خاطب ( رستم ) قائد جيش الفرس.. حينما سأله الأخير:

لماذا جئتم إلى بلادنا.. وأنتم الذين كنتم عبيداً لنا.. وخدماً عندنا..

فقال ربعي: بكل عزة.. وإباء.. وشموخ:

( الله ابتعثنا.. لنخرج من شاء من عبادة العباد.. إلى عبادة رب العباد.. ومن ضيق الدنيا.. إلى سعة الآخرة.. ومن جور الأديان.. إلى عدل الإسلام )….

السبت 15 ذو الحجة 1437

17 أيلول 2016

موفق السباعي   

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.