تقنيات الوساطة ودورها في حل المسألة السورية (1-3)

0

أخبار السوريين: قبل سبعة عشر عاما كتب جورج إيميل إيراني أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية وتحليل الصراعات وإدارتها والمتخصص في إدارة العلاقات الدولية (CAS) مقالته الرئيسية التي عنونها بـ”تقنيات الوساطة الإسلامية لنزاعات الشرق الأوسط“، والتي عرض فيها وأثبت من خلالها الخطأ الفادح الذي نرتكبه في حال لجأنا “كعرب” إلى الأساليب والتقنيات الغربية في حل النزاعات التي نشأت أو قد تنشأ في منطقتنا العربية أو الشرق أوسطية.

وبيّن “إيراني”، عذرا على حساسية الاسم بالنسبة للحالة السورية، أن تطبيق النماذج القائمة على أسس الثقافة الغربية في حل النزاعات القائمة في المجتمعات غير الغربية غير مجدٍ في معظم الأحيان، ولا يؤدي إلى وأد الصراع وإنهائه بقدر ما قد ينجح إلى حد ما في تجميده إلى حين، مشيرا إلى أن المنظرين والممارسين لتقنيات حل الصراعات يدركون مدى أهمية مراعاة الطرق المحلية الأصيلة في التفكير والشعور، فضلا عن الطقوس المحلية المتوارثة لإدارة وللحد من الصراعات.

وفي الحالة السورية، سعت المعارضة السورية كممثل عن الثورة الشعبية التي اندلعت في سوريا في آذار 2011 إلى تدويل القضية بعد سبعة أشهر بسبب هول وفظاعة ما واجه به النظام هذه الثورة من بطش وقمع رهيبين أدى إلى قتل واعتقال وتشريد مئات الآلاف عندما تم انتزاع دعم عربي من خلال جامعة الدول العربية، والتي بدورها حولت ملف القضية إلى الأمم المتحدة للبحث عن خلاص للشعب السوري يقضي بإنهاء هذه المأساة الفاجعة، وهو الأمر الذي لم يسفر إلا عن مبادرات ومبعوثين ولجان عجزت على مدى خمس سنوات حتى عن إيصال دعم كاف للمناطق المحاصرة فضلا عن وقف إطلاق النار وتحرير عشرات الآلاف من المعتقلين والمختفين قسريا، أو حتى حلول ناجعة لملايين اللاجئين والنازحين.

وكسوريين لا يمكننا التشكيك بنوايا المجتمع الدولي الذي سعى ويسعى إلى حل المسألة السورية، على الأقل لخفيف حدة الصداع والقلق الذي يشعر به حيال قضايا عدة نتجت عن الصراع في سوريا، وأهمها قضايا الإرهاب وأعباء المساعدات لشعب يقدر بالملايين وقد توقفت في مجتمعه كل وسائل الانتاج كما سبب ضغطا اقتصاديا هائلا على دول الجوار المعتمد بعضها أصلا على المساعدات والقروض في تأمين احتياجاتها وميزانياتها، وضغطا أمنيا وديموغرافيا لا قبل ولا طاقة لها به.

ولكن ثبت لنا أن كل ما قام به المجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة ومجموعة أصدقاء سوريا والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية لم ينجح ولن ينجح “في تقديري” لأنه مازال عاجزا عن إحداث ثغرة ينفذ من خلالها إلى طبيعة الصراع وإيجاد أرضية يبني عليها “جدارا فاصلا” يوقف العنف والحرب ليتمكن من رسم خارطة طريق تؤدي إلى إنهاء النزاع بطريقة مرضية للطرفين العاجزين عن حسم الحرب لصالح أحدهما وإلحاق الهزيمة بالطرف الآخر وتغييبه عن المشهد وإرغامه على الاستسلام والإذعان.

ومرد ذلك إلى طبيعة الصراع في سوريا، والذي تحول من ثورة شعبية سلمية عارمة إلى ثورة مسلحة إلى حرب محلية إلى حرب إقليمية طائفية استجلبت كل عقد التاريخ وذكرياته وكل مشاريع استعادة الهيمنة الشعوبية والامبراطورية السالفة في المنطقة، بل وحتى استعادة ظاهرة الاستقطاب الدولية التي كانت رائجة إبان الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن المنصرم، وكل ذلك تم بخبث ودهاء من “النظام السوري” الذي لعب على هذه المحاور واستطاع تطويعها واستغلالها لخدمة مشروع بقائه ونجاته من عاصفة الربيع العربي التي أطاحت بأقرانه، بغض النظر عما نتج بعد ذلك من حروب ومشاكل وفشل بفعل الثورات المضادة وسذاجة من قاموا بهذه الثورات في مواجهة أنظمة ترسخت عبر عقود طويلة وعملت كل جهدها لتفادي أي تغيير سياسي مدعومة بمنظومة دولية ترى في الأنظمة العربية القائمة خير وسيلة لاستمرار هيمنتها على المنطقة وثرواتها، كما ترى في هذه الأنظمة أفضل حليف لها يجنبها أي صراع أو صدام أو منافسة.

وبالعودة إلى “إيراني” نجده يشير إلى أن الصفوة العربية المثقفة ممثلة بالعديد من العلماء والدارسين والخبراء، ممن تدربوا في الغرب وعادوا إلى بلدانهم محملين بالأطروحات الغربية عن تقنيات حل المنازعات المحلية، هم أنفسهم يدركون أن هذه التقنيات مجرد ظاهرة روائية وأن حل الصراعات بطرق مستوردة يبدو علاجا كاذبا ومتوهما وبرنامجا مفروضا من الخارج وبالتالي فإنه لا يستجيب لمشاكل المجتمع واحتياجات أهله ولا للعملية السياسية برمتها.

ويؤكد “إيراني” أنه يتعين على المنظرين والممارسين لعملية حل الصراعات مراعاة خصوصية طرق التفكير لدى كلا طرفي الصراع فضلا عن الطقوس المحلية لإدارة النزاعات إن هم أرادوا بالفعل الحد من هذه الصراعات والحد من المشاعر المتولدة عنها بين الطرفين. مشيرا إلى عملية السلام في الشرق الأوسط التي وصفها بالسطحية، بمعنى أن الاتفاقات الدبلوماسية بين المسؤولين من الطرفين لا تناسب القاعدة العريضة من جماهير الطرفين، وأن معاهدات السلام المستندة فقط إلى تجاذبات الاقتصاد والسياسة، أو الإكراه أو محض الاعتبارات الاستراتيجية لا يمكن أن تدوم إذا لم تكن مصحوبة بالنوايا الصادقة والعميقة التي تكشف وبوضوح عن العواطف الحقيقية المتبادلة وتركات الخوف والكراهية والحزن وعدم الثقة الناتجة عن عقود من الحرب وغالبا ما انتهت بدورات من الإيذاء والانتقام.

ويقترح “إيراني” من أجل إحلال السلام عقب سنوات من الحرب والصراع، وجوب دعم وتشجيع الحوار المتبادل من قبل صناع القرار، وأن تأخذ في عين الاعتبار القاعدة العريضة من أبناء المجتمعين بالإضافة مراعاة الجانب الديني لكلا الجانبين وطقوس عمليات المصالحة المتبعة عرفيا في المجتمع.

وفي الحالة السورية يبدو الوضع أسهل منه من الوضع العربي الإسرائيلي الذي ناقشه “إيراني” ومشابه للوضع اللبناني الذي ركز عليه دراسيا وتطبيقيا، منوها لدور الوساطة العربية التي لعبتها المملكة العربية السعودية ومنظومة الدول العربية التي تدخلت لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وكيف استطاعت الوساطة العربية المبنية على أسس استرضاء الطرفين دون المساس برمزية الشرف ونظيره العار أو رمزية الاتنصار والهزيمة، والقائمة على ثقافة التحكيم العرفي، والدور المحوري للمحكِم ومكانته لدى الطرفين المتصارعين ومدى الثقة التي يقدر على انتزاعها من الطرفين.

بقلم عبد الرحمن ربوع

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.