تحرير منبج واحتلالها

0

أخبار السوريين: تدخل منبج بعد تحريرها من قبضة تنظيم الدولة الاسلامية الإرهابية، مرحلة جديدة من حياتها، بعد أن سبق وانجزت خلاصها في وقت مبكر، من النظام الأسدي، الذي لم يوفر وقتا للقتل والتدمير خاصة في المدن والبلدات التي تحررت من ربقته، وتميزت هذه المدينة مع مثيلاتها سراقب وتل أبيض، بأنها أولى في تقديم نماذج متطورة ومتميزة، في الإدارة الانتقالية المدنية، عبر تجربة المجالس المحلية، التي لم تعمر طويلاً بسبب الإفشال المتعمد لهذه التجارب، وتعرض مناطقها لسيطرة الفصائل المسلحة، وأخيراً احتلالها من داعش وأخواتها.

بلا شك أن تحرير منبج هي خطوة في الاتجاه الصحيح، نحو مراكمة الانجازات الوطنية التي تقود إلى انتصار الثورة السورية، وخلاصنا من الاستبداد والقتل اليومي. وليس من أحد يقبل باستمرار تحكم القوى الظلامية في أي مجتمع محلي أو مدينة وسواها في سوريا، سواء أكانت داعش ام النظام، أم ” قوات حماية الشعب ” التي تعد النواة الأساس لما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية، التي أنجزت – في الحقيقة – تحرير منبج بعد أن تشاركت مع داعش في فرض حصار خانق وطويل الأمد على أهالي منبج الذين احترقوا بنيرانيهم من داخل المدينة وخارجها.

المقدمات تقود الى النتائج، وكي لا نبخس أحداً تضحياته، أو أن نقلل من قيمة ما جرى، دعونا نفكر بصوت عال، للإجابة على سؤالين مهمين، هما : كيف تحررت منبج، وما هي مآلات الوضع فيها، كيف ستدار شؤونها.

بكل وضوح، وهو موقف ناجم عن قراءة معطيات موضوعية، أستطيع القول أن منبج قد تحررت من داعش، وانها اليوم تحت سيطرة قوة عسكرية، استمرارها سيجعل منها قوة احتلالية جديدة هي ” قوات حماية الشعب “.

أعيد التسمية مجدداً للدلالة على أنها من تقود قسد، وتتحكم بقيادتها وتسيير خططها، وبنسب توزيع السلاح والمؤن لمن تضمه من فصائل أخرى، ليس مغررا بها، بقدر ما أنها مسلوبة الإرادة والقرار، فإما استمرار انضوائها في هذا الوعاء العسكري الأمني، أو إنها سوف تُسحق.

ولنا في تجربة التجويع التي مارسها ( البي دي ) بحق لواء ثوار الرقة، حين أعلن خروجه ( محاولة لم تكتمل )عن قسد فيما مضى.

لم يعد خافياً على أحد، أن قسد ما هي إلا واحدة من ادوات القوى الدولية التي تدير صراعاتها المتعددة على الأرض السورية، وانها هي القوة الوحيدة التي تحظى بدعم القوتين الدوليتين، اللتان تتعارض مصالحمها في سوريا: واشنطن وموسكو. هذا بحدّ ذاته مفتاح تساؤلات كثيرة مثيرة للشبهة، تتصل بارتباطات وأهداف التنظيم السياسي ( الاتحاد الديمقراطي ) الذي يدير المؤسسات العسكرية والامنية المتمثلة بقوات حماية الشعب ، وقسد، اللتين تنشطان بقوة ودأب على الأرض .

سعى البيت الأبيض والكريميلين ، كلٌ من زاويته، إلى إيجاد ذراع وأداة على الأرض، استطاع “بي دي” أن يشكل هيأته على تلك الصورة التي ترغبها الدولتان، فقدمتا له السلاح والمال والخبراء، والغطاء الجوي، الأمر الذي مكنه من الصمود في منبج في مواجهة داعش، والمشاركة – على الوجه الآخر- مع النظام في إطباق الحصار قبل شهر ونيّف على حلب واهلها، بهدف ارغام المدينة على الاستسلام لطاغية دمشق. وقد اجاد صالح مسلم في الانصياع لتعليمات وخطط موسكو وواشنطن، كما يجب أن يكون عليه التابع الطيّع.

لقد حققت واشنطن انجازا مهما قبيل الاستحقاق الرئاسي، لصالح الإدارة الديمقراطية، وهو ما كانت تريد من صالح مسلم أن يقوم به في ظل قرار الادارة الأميركية بعدم التدخل العسكري المباشر، مع استمرار غياب نتائج ملموسة في استراتيجة التحالف لمحاربة داعش.

مسلم تولى هذه المهمة بنجاح، وسوف تشكره إدارة اوباما قبل ان تغادر البيت الأبيض وتتخلى عنه.

من المهم الإشارة هنا إلى أن حسم معركة منبج، قد ترافق مع هزيمة داعش لواحدة من اشد معاقلها في ليبيا: سرت. وهو ما يؤكد قرارا اميركيا بذلك.

بالمقابل، تستخدم روسيا قوات حماية الشعب، التي قدمت تجربة ناجحة في أن تكون بديلاً عن النظام في بعض المناطق التي طرد منها. لكن الدعم الذي تقدمه موسكو، سوف يبدأ بالإنحسار قريباً جداً مع تطبيع العلقات الروسية التركية، وسوف يجد ” البي دي ” نفسه أعزل بلا حلفاء، غير مرغوب فيه، ولعل الرسالة كانت بليغة جداً في إغلاق ممثليته في موسكو.

تحرير منبج، يفترض أن تنتهي معه مأساة شعب هذه المدينة، لكن مؤشرات الاحداث تقودنا للحديث في دلالاتها، عن سياسات القوى التي أنجزت ذلك، ما إذا كانت حقاً قوى محررة، وليست احتلالية، تستغل وتنتهز كل الظروف لخدمة مشروع يلتقي فيه الاستبداد، مع التهجير والاضطهاد والتمييز العرقي، هو مشروع كونته اجهزة المخابرات السورية، مثلما كوّنت خلايا للقاعدة وداعش..وغيرها.

ليست لدينا ثقة في قسد، على الرغم من أنها أجبرت داعش على الانسحاب نحو جرابلس، المدينة المنكوبة التي تنتظر خلاصها ايضاً. لكن فرحة التحرير، مشوبة بالقلق وبالحذر، ثمة خشية كبيرة من تكرار الممارسات التي أتت علها قسد في منطقة تل ابيض والمناطق المحيطة بها، من انتهاكات واسعة للحقوق والحريات والتهجير، ومنع عودة الأهالي، ومصادرة املاكهم واراضيهم، وإحداث تغييرات ديموغرافية و تقسيمات إدارية قسمت مدينة تل أبيض، وجعلت تابعيتها لمناطق صغيرة، ذات غالبية كردية هي عين العرب، ورأس العين.

السيناريو ذاته ممكن تكراره في مدينة منبج، وفي الواقع، سجلت العديد من الانتهاكات خلال المعارك الاولى وحصار منبج، تمت فيه عمليات اعتقال و تهجير محدودة، والاستيلاء على أملاك مدنيين بحجة انتمائهم لداعش، أو تأييدها. كما أنها كانت ولاتزال ضالعة في استهداف المدنيين، عبر تقديم المعلومات لطيران التحالف الدولي.

ما يزيد المخاوف هو ماحدث في ليل السبت – الأحد الماضي، من إحراق لمبنى المحكمة في مدينة منبج، ما أدى إلى اتلاف جميع الوثائق وسجلات الملكيات العقارية، العائدة لمنطقتي الباب ومنبج، والقرى التابعة لهما شرق حلب .

من شأن ذلك، التمهيد لعملية استيلاء على أملاك و حقوق أهالي المنطقة بالكامل، وبالتالي، إعادة تقسيمها إداريا، والحاقها بمناطق الادارة الذاتية الكردية.

اذا لم تقم ميليشيات صالح مسلم بتسليم ادارة المدينة لمجلس محلي مدني، وكف يدها عن التدخل في شؤونها، فهذا دلالة واضحة على ان منبج انتقلت من محتل إلى آخر، وهذا الأخير، سيقوم بإدارتها لصالح نظام الأسد، إلى حين تسليمها له.

الوقائع والتطورات تشير الى أن ” بي دي ” لن يتاخر في ارتكاب انتهاكات واسعة سوف تطال اهالي منبج وتحرمهم من فرحة التخلص من داعش، وأن تعمد الى إفشال أية عملية تحول ديمقراطي – مدني في سياق الثورة السورية.

تحرير منبج من داعش، هو مصدر امل كبير بالخلاص الذي يتوق إليه السوريون، من قوى الارهاب الداعشي والأسدي وأعوانه وادواته. لكن السؤال الذي يفرض نفسه : هل ستتخلص المنطقة حقاً من داعش ، أم ان الطغاة يتبدلون ويتوالدون ؟!.

عبد الرحمن مطر.

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.