فشل ثلاثيّ الأبعاد

0

أخبار السوريين: لم يفشل الانقلاب في تركيا فقط، بل فشل في رفع معنويات شبيحة النظام السوري في الأردن. كما شكّل فشلاً ذريعاً لمن يحملون بين ضلوعهم تناقضاً جوهرياً بين ادعاءات حول علمانيتهم أو يساريتهم أو انتصارهم للحراكات المدينية ولأنموذج الدولة المعاصرة ديمقراطياً وصناديقياً، وبين تهليلهم دون خجل أو وجل لمحاولة الانقلاب الفاشلة، ولما كان يمكن أن تجره من حكمٍ للعسكر لو تم لها النجاح.

شبيح أردني، وهو بالمناسبة أستاذ أكاديميّ، وله عدد من الإصدارات الإبداعية في القصة والرواية و(أدب الأطفال)، كما أنه أنشأ منذ مدة وجيزة ما أطلق عليه: “المحور الإنسانيّ العالميّ لدراسات الطفولة وأبحاثها”، هذا الشبيح المتستر خلف الطفولة وما تنظوي عليه قيمة الطفولة من براءة ومحبة وسلام، كتب على صفحته عشية الانقلاب، وقبل أن ينضح فشله: “يحيا الجيش التركي”! ثم بعد فشل الانقلاب لم يتراجع وكتب عن المسرحية ضعيفة الإخراج، وأن لا المنقلِب (فتح الله غولن يقصد) ولا المنقلَب عليه (رجب طيب أردوغان يقصد) يمثلان أية توجهات علمانية، وأن أردوغان ليس ديمقراطياً، وأن لعبة الصناديق ليس لها معنى عندما يتعلق الأمر بفوز إسلاميّ أو إسلامويّ!! ثم يتجرد فجأة من مكانته الأكاديمية، وينسى في لحظة حقد عمياء، أن هناك مئات الطلبة الذين ينتظرونه في الجامعة التي يدرس بها، وهي بالمناسبة جامعة حكومية ولها فروع في غير مدينة من المدن الأردنية، وأن كثيراً منهم، إما مجاملة أو إعجاباً هم أصدقاء له على صفحته في الفيسبوك، ينسى كل ذلك ويصف أردوغان بـ(الصبي)!

شبيح آخر، كان، للأسف الشديد، ذات سنوات عجاف، رئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين لدورتين متتاليتين، وهو قاص له مكانته الإبداعية على (خارطة الإبداع العربي)، يكتب على صفحته في فيسبوك الآتي: “خارج مفاهيم التجارة وقيمها نعم، نجا أردوغان هذه المرّة، فهل معنى ذلك أنّه أصبح جيّداً؟

ربّما يكون قد صار كذلك في عرف الانتهازيين، وتجّار المبادئ، والظلاميين بالتأكيد. أمَّا في عرف الحريصين على مصالح الأمّة، والعاملين بإخلاص مِنْ أجل تحرّرها ونهضتها وتقدّمها، فهو لا يزال -كما كان طوال السنوات الخمس الماضيات- المسؤول الأوّل عن تنفيذ المخطَّط الإمبرياليّ الصهيونيّ الرجعيّ لتدمير سورية، كما أنّه لا يزال أحد أبرز المسؤولين عن ما جرى ويجري في مصر والعراق واليمن مِنْ قتلٍ ودمارٍ وتهجيرٍ وتشريد.

نعم، نجا أردوغان هذه المرَّة، فهل معنى ذلك أنّه أصبح محصَّناً إلى ما لا نهاية ضدّ الإطاحة به وبنظامه، وأنَّ أحداً من الأتراك لن يخاطر بحياته للخلاص منه وَمِنْ نظامه؟

ما جرى أمس يؤكّد خلاف ذلك، بل إنَّه قد يكون مجرَّد “بروڤة” لما قد يحدث في المستقبل”. كما لو أنه يخطط لانقلاب آخر من خارج تركيا!

كما يعود ويكتب في صحيفة ميسلون (صحيفة القوميين العرب) مقالاً تحت عنوان “تاريخ ممتد من الولاء للإمبريالية والصهيونية” يتهم خلاله تركيا (مندريس) الذي دخلت تركيا، بحسب الشبيح، في عهده في العام 1954 حلف شمال الأطلسي، وأنها في عهده أيضاً وقعت اتفاقية تعاون مع (العدو الصهيوني)، فيما يبدو أنه جهد مثابر وعنيد من قبله، بحثاً عن أي ثغرة يمكنه النفاد منها تشويهاً في مسيرة الحياة السياسية التركية التي وصلت إلى حزب العدالة والتنمية بعد حراكات وصيرورات ممتدة ومعقدة وأحياناً دموية، إلى أن رأى الأتراك أن مصلحتهم مع هذا الحزب ومع قياداته.

لم ينكر أحد علاقة تركيا مع إسرائيل، حتى إن تركيا نفسها بقياداتها ومختلف أطيافها، وشرائحها لا تنكر هذه العلاقة، ولا تتنكر لها، وعلى كل حال أول المستفيدين من تطبيع علاقات تركيا مع إسرائيل كان أهل غزة الذين نسيهم العرب، وفي المقدمة منهم هؤلاء (القومجيون) ومن يدعون أنهم يساريون، وعموماً نسيهم الجميع.. وأهل غزة، بالمناسبة (صديقي) الشبيح، كانوا أول من خرج للشوارع تهليلاً بفشل الانقلاب وابتهاجاً بنجاة القيادة التركية ونجاة الديمقراطية التركية من حكم العسكر، وفي مقابلات أجرتها غير فضائية معهم أجاب صغيرهم وكبيرهم وشيوخهم ونساؤهم بجواب واحد: هؤلاء الناس وقفوا معنا عندما نسينا الجميع، وواجبنا أن نقف معهم “هذا أقل واجب”.

شبيح برتبة محامي، اختار أن يترك قناة الجديد تقول رأيه بالانقلاب الفاشل: ” انقلابُ الليلِ محاهُ الفجر والآمالُ التي رسمتْها ساعاتُ المساءِ المتأخرةُ سَرعانَ ما بدّدتها ساعاتُ الصباح محاولةُ الانقلابِ الخامسةُ التي شهدتْها تُركيا لم تكن وليدةَ اللحظة فتاريخُ البلادِ مثقلٌ بالانقلاباتِ مِن أيامِ سلاطينِ البابِ العالي إلى حكمِ الديكتاتورِ الحالي محاولةُ الانقلابِ على أردوغان لم تكُن مفاجئة فهو مُذ تسلّمَ مقاليدَ الحُكم نصّبَ نفسَه سلطاناً على أمجادِ إمبراطوريةٍ آفلة”، إلى آخر التقرير التلفزيوني الذي يختتمه صاحبه بالقول: “أُحبِطَ الانقلاب، ربِحَ أردوغان وخسِرت تُركيا الذاهبةُ إلى التقسيم والآتي أعظم”.

فأي تهديد وأي ضيق أفق وأي ترويع لخيار الشعب الذي أفشل الانقلاب، وتصدى له بصدور عارية؟؟ بالمناسبة هذا الشبيح الذي تابع أخبار الانقلاب من بيروت حيث كان يشارك في مؤتمر حول (المقاومة والممانعة) يضع على بروفايله صورة له مع المجرم بشار، وهو من أبطال إلباسه العباءة الأردنية!

قد يكون كل ما سلف متوقعاً ممن يرتمون تماماً في أحضان النظام وبراميله وحلفائه، ولكن ما يثير الانتباه والأسئلة الموقف الرسمي الأردني المثقل بالغموض من الانقلاب ومن ثم من فشله؟!؟

فشل ثلاثيّ الأبعاد يهوي بكل أحماله وجرائره على شبيحة الرمق الأخير.

محمد جميل خضر.

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.