قراءة في أبعاد كلمة أمير جبهة النصرة

0

ما من شك أن سورية والمنطقة مقبلة على تطورات مهمة قد تنقل الصراع فيهما إلى آفاق ومستويات جديدة، فالتدخل الروسي الذي بدأ قبل أسبوعين من الآن خلط الكثير من الأوراق، لكنه ورغم الزخم الكبير الذي بدأ به ورغم إستخدام الروس للمعدات والأسلحة الحديثة وحتى المحرمة منها دوليا لم يفلح في تغيير الواقع على الأرض لابل يمكننا القول إن التدخل الروسي قد مني بانتكاسة كبيرة تجلت في الخسائر الكبيرة التي تكبدها النظام وحلفاؤه في أرياف حماة وإدلب وحتى في ريف اللاذقية.

من هنا يمكننا تبرير الثقة الكبيرة بالنفس التي ميزت كلمة الجولاني والتي حملت في طياتها الكثير من الرسائل الهامة ولمختلف الأطراف المعنية بالملف السوري داخليا وإقليميا ودوليا، حيث إن الكلمة تعبر عن الخط العام الذي تنوي الجبهة إنتهاجه في الفترة المقبلة، وهو ما يعطي الإنطباع بأن الجبهة غير معنية بأي تحركات وخطط حل سياسية للأزمة السورية، وهذا هو المدخل الذي نستطيع من خلاله الولوج إلى لب الكلمة وماحملته من مفردات بعضها واضح جلي والبعض الآخر مستتر خفي.

جبهة النصرة تدرك تماما أبعاد المخطط المرسوم للمنطقة ويبدو أنها قد قرأت الأحداث بشكل صحيح، وبالتالي فإنها ليست في وارد التسليم بالمشروع السياسي ولا النأي بنفسها عنه، لابل إنها قد عزمت على إفشاله، ومن إستمع لكلمة الجولاني سيدرك تماما أن جبهة النصرة قد باتت تجيد اللعب سياسيا مستفيدة من ثقلها على الأرض.

لعل أهم ما يتبادر لذهن المتابع هو المكافأة المالية الكبيرة المرصودة ثمناً لرأسي بشار ونصر الله والتي بلغت قيمتها 5 ملايين يورو، وهو ما سيطرح السؤال المشروع حول قدرات وإمكانيات الجبهة المالية الكبيرة، ليس هذا وحسب بل هناك ما هو أهم من مسألة التمويل والإمكانيات المالية للجبهة، إنه مسألة المكافأة المادية المرصودة بحد ذاتها وبغض النظر عن قيمتها المغرية، فأن يرصد الجولاني هذا المبلغ الكبير وفي هذا التوقيت ودون شروط على إنتماء المنفذ لعملية الإغتيال والتعهد بحمايته وأفراد أسرته, فهذا أمر يحمل في طياته الكثير مما ينبغي الوقوف عنده, خاصة في ظل التطورات الأخيرة على الساحة السورية وما صاحبها من حراك دبلوماسي وتقارب روسي عربي يشي بأن هناك صفقة ما قد انجزت وباتت بانتظار التنفيذ.

مكافأة الملايين الخمسة رسالة مهمة جدا مؤداها أن جبهة النصرة عازمة على إفشال أي صفقة سياسية تعيد إنتاج نظام الأسد، فرمزيته ووجوده كرئيس تفرض جدلا أنه يدير نظاما ومؤسسات دولة يلتف حولها الكثير من مؤيديه سيما في ظل عدم وجود بديل له على الساحة سواء من المعارضة أو الموالاة التي لا يجرؤ أي من رموزها على تقديم نفسه كبديل للأسد, ومن هنا فإن التخلص من رأس هرم النظام سيمثل ضربة عسكرية وسياسية تعيد خلط الأوراق وتحبط أي محاولة دولية لإعادة إنتاجه, لابل إن التخلص من بشار قد يسهم في تفكيك منظومة حكمه الأمنية وهو ما سيدفع رموزها لصراع مفتوح على السلطة, ولايجب الإستهانة أو السخرية بهذا الأمر.

النقطة المهمة الأخرى في حديث الجولاني هي الدعوة الصريحة لإستهداف المدن والقرى والبلدات الحاضنة لنظام الأسد والمفرخة لشبيحته وميليشياته, فهكذا خطوة ستضع النظام في موقف حرج وستسهم في تشتيت الحاضنة الشعبيه له بعد أن تختبر ما عاشه السوريين على مدى سنين, تمتعت هي خلال هذه الفترة بالأمان.

التهديد الموجه لروسيا لم يأت من فراغ بل إستنادا إلى تجارب وحروب أذل فيها المجاهدون العرب آلة القتل الروسية المتطورة وحطموا جبروتها وهو ما ساهم إلى حد كبير في تفكيك الإتحاد السوفيتي، لكن ما يعطي التهديد أهميته الكبيرة هو الحلف الصليبي الأرثوذوكسي الروسي الصفوي الشيعي، والذي ينظر له وبكل وضوح على انه حلف يستهدف المسلمين السنة، والصورة تصبح واضحة لجهة إستقطاب جهاديي القوقاز وآسيا الوسطى إذا ما عرفنا أن المسلمين السنة يشكلون غالبية مسلمي روسيا الذين يبلغ تعدادهم اليوم أكثر من 30 مليون مسلم إضافة إلى 6 دول أخرى إستقلت عن الإتحاد السوفييتي السابق ويشكل المسلمون غالبية سكانها وبنسب تتراوح بين 60% و 99% وعليه فإن عملية إستقطاب أعداد كبيرة من الجهاديين السنة قد باتت مسألة وقت لا أكثر سيما وأن المئات منهم منخرطون فعلا في صفوف النصرة وجيش الفتح وتنظيم الدولة وهو ما سيسهل حتى عملية نقل المعركة إلى الأرض الروسية التي عانى المسلمون فيها من ويلات الإضطهاد والتصفية على مر العصور.

مختصر كلمة الجولاني يقول: نحن موجودون على الأرض وبإمكانيات كبيرة ولا يمكن إقصائنا من الساحة، ولن نسمح بأي حل سياسي يفضي إلى بقاء نظام الأسد حتى وإن تم تلقيحه وتهجينه، وقادرون على إلحاق هزيمة مذلة بالروس وحلفائهم ونستطيع حتى نقل المعركة إلى عقر دار الدب الروسي.

بقلم: خليل المقداد

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.