ما بين طيور جنة وكلاب نار ضاعت منا الديار

1

لقد بات جليا أن مشروع الدولة المفيدة الذي أطلقه بشار الأسد مؤخرا هو أحدث مشاريع التقسيم الخاصة بمنطقة بلاد الشام وتحديدا في سوريا، فعجز الأسد المدعوم عالميا عن تحقيق سيطرة على كامل الأرض السورية ومسلسل تراجعه أمام كل من الدولة الإسلامية وجيش الفتح، دق ناقوس الخطر من إحتمالية إنهيار مفاجئ للنظام وهو ما سيعني بالضرورة سيطرة الفصائل الإسلامية على الساحة السورية، إذ من غير المتوقع ان تشكل فصائل ما يسمى الجيش الحر عقبة في وجه هذه الفصائل التي تقاتل عن عقيدة مؤداها إما نصر او شهادة.

لقد كانت مشاريع التقسيم هي الأداة الفاعلة بيد المستعمر الذي يدرك جيدا أن قوتنا في وحدتنا وأن وحدتنا كمسلمين تكمن في عقيدتنا التي ساوت بين الأبيض والأسود وبين العربي والأعجمي، فكان تفتيت الخلافة العثمانية وزرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة هو السبيل الوحيد أمامهم من اجل إحكام السيطرة على المنطقة، فجعلوا من الشام أربع دول رسموا لها حدودها وشكلوا لها أنظمتها وعينوا لها حكامها يسيرون على الصراط المستقيم فلا يخطئوه.

اليوم وأمام الخطر الداهم والمتمثل في ثورات الشعوب العربية المسلمة بغالبيتها بدا واضحا أن الأنظمة الكرتونية التي صنعوها قد باتت قاب قوسين أو أدنى من الإنهيار وهو ما سيشكل خطرا وجوديا على إسرائيل من جهة، وعلى المصالح الغربية التي جعلت من منطقتنا سوقا إستهلاكية تضمن للغرب إستمرار التقدم والرفاهية التي وصل إليهما, فثورات ضربت دونما سابق إنذار جعلت من أنظمة المنطقة حجارة دومينو لم يكد يسقط احدها حتى تهاوت جميعها, تونس, مصر, ليبيا, اليمن, سوريا, تسارع رهيب أقض مضجع الساسة وصناع القرار العالمي بكافة مؤسساته ومنظماته ما علمنا منها ومالم نعلم.

سوريا كانت الساحة التي لم يكن بإستطاعتهم التسليم بسقوطها في يد شعبها فاتخذ القرار بعدم السماح بسقوط نظام الأسد مهما كلف الأمر، رسمت الخطط وعدلت مرارا وتكرارا، سمحوا له بإرتكاب المحرمات والموبقات على أمل إخماد جذوة الثورة لكنهم فشلوا فدعموه بما تيسر لهم لكنهم فشلوا، فكان من نتيجة الإجرام أن إزدادت الثورة عنفا وعنفوانا لتتحول من ثورة مطالب بحرية وكرامة إلى ثورة عقيدة وإيمان ما عادت تقبل بعلمانية ولا عمالة بل بدولة إسلام تغسل كل الآثام التي دنست أرض الشام الطاهرة.

إنها لمعجزة ربانية أن تجد كل هذا الصمود والإصرار على مواصلة الثورة حتى إحقاق الحق رغم كل ما فعله أصدقاء سوريا من تشتيت لطاقاتنا وإستقطاب لفصائلنا المسلحة ومنعها من حرية العمل والتحرك ترغيبا وترهيبا من خلال دعم الملتزم بالأوامر بيد وإغتيال المخلص الشريف باليد الأخرى، حتى بات قادة الفصائل أمراء حرب محليون، وكل حزب بما لديه فرحون.

انشغلت الفصائل بمصالحها وبما لديها من رعية تتكسب منهم وعلى أكتافهم، فتصارعت وتقاتلت هذا لي وهذا لك، هذا حقي وذاك حقك، هذه منطقتي وتلك لك، فدخلوا في متاهات العهر البواح بين مؤمن وكافر، وطيور جنة وكلاب نار، وبين دواخل وخوارج ونهج صحيح وآخر ضال، وتناسوا في زحمة الصراع على السلطة قول الله عز وجل: ولا تفرقوا فتفشلوا وتذهب ريحكم, ونسوا أن يد الله مع الجماعة, بل حتى نسوا وتناسوا أن المعتمد بن عباد قد قال يوما: “تالله إني لأؤثر رعي الجمال لسلطان مراكش على أن أغدو تابعاً لملك النصارى أؤدي له الجزية”، “إنَّ رعي الجمال خيرٌ من رعي الخنازير”.

لقد أثر الكثير من أمراء الحرب في سوريا أن يرعوا الخنازير فذلوا وأذلوا الناس, وسمحوا لفارس وأذنابها ان تقرر مصير خيرة الله من أرضه وان تسفك دما حراما وتهجر الملايين، يوما بعد يوم حتى راقت الفكرة لدهاقنة السياسة فوجدوا فيها ضالتهم وهدفهم المنشود, فطالما أنهم لا يستطيعون تقسيم البلاد فليخرجوا منها من بقي فيها من العباد, وليتركوا لأمراء الحرب حرية القتال والصراع على النفوذ والمكاسب فما نجح في أندلس شبه جزيرة أيبيريا (إسبانيا والبرتغال) حتما سينجح في اندلس الشام, وسيكون لهم ألفونسو بالإنتظار بعد ان يملوا من الإنتحار.

لم لا فأوروبا التي شاخت بحاجة إلى بضع ملايين من العبيد والعمال، فليفرغوا الدار من اهلها الأشرار لتظفر فارس بثأرها لآل بيت كسرى الأطهار. #ستسألون!

بقلم: خليل المقداد

مشاركة المقال !

تعليق واحد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.