من غرائب وعجائب قصص اللجوء: رحلة جنونية تتحدى الموت وأخطار الطريق!!

0

أخبار السوريين: لم يكن يتوقع يوماً أن تقوده الأقدار إلى الجري في غابات مظلمة، في بلاد لا يعرف فيها شيئاً، وكأنه في حلم.. بل كابوسٍ أسود.. “هذا مصير العيش في سوريا الأسد.. حيث يحلم الإنسان منذ الطفولة أن يغادر وطنه، لأنّ ثلّة من المجرمين تحتكره لنفسها”.. يقول ذلك ومعالم الإنهاك والبؤس تبدو في سيماء وجهه، رغم سنواته الست والعشرين.. هو اليوم في ألمانيا يأمل أن يعيش كإنسان، بعد رحلةٍ معاناة بدأت منذ مولده في موطن الاستبداد والفساد: (سوريا الأسد)!

ثائر عبد الباقي.. يبحث عن البقاء!

ثائر عبد الباقي، هو واحدٌ من آلاف الشبان الذين اضطروا لترك كل شيء وراءهم والمغامرة بحياتهم عبر البحار والغابات، على الرغم من كل الأخطار المحدقة، فإما الموت وإما الحياة، يبدأ سرد حكايته بهذه الجملة التي تلخّص الكارثة الإنسانية التي يعشيها السوريون..

كانوا خمسة شبان، عندما جمعتهم الظروف في تركيا، وقبل ذلك كان بعضهم في لبنان، قرروا اتخاذ الطرق غير الشرعية للسفر إلى أوربا وتقديم اللجوء الإنساني، يقول ثائر: “لم نكن نملك المال الكافي للاتفاق مع مهربين، وكان الحل أن نتخذ طريقنا بأنفسنا، وعزمنا أمرنا، فإما نصل أو نموت.. في البداية حاولنا دخول اليونان من الحدود البرية عبر نهر إيفروس، واتجهنا لمدينة ابسالا ومن ثمّ ياناكي بوزولو، ومن ثمّ مشينا ليوم كامل حتى وصلنا إلى أحد الأنهر، وكانت الجندرما التركية هناك، فعدنا من حيث أتينا بعدما أخبرونا أن المرور ممنوع، وقد تعاملوا معنا بمنتهى الاحترام.”

يتابع حكايته موضحاً كيف عاد ورفاقه إلى مدينة أدرنا وهي آخر مدينة بين حدود اليونان وتركيا، حيث بقيوا هناك ليومين، ومن ثمّ اتفقوا مع مهرب على أن يوفر لهم سبل قطع النهر مقابل 400 يورو على الشخص: “قطعنا النهر بالقارب وبقي اثنان على الضفة التركية، بسبب قدوم الجندرما، بينما سارع المهربون بالفرار، فدخلنا اليونان وهنا كانت المفاجأة حيث صدمنا بمستنقع مياه كبير يصل ارتفاع منسوب مياهه إلى حدود الرقبة، وصرنا نمشي حسب (جي بي إس)، ومن ثمّ بدأت تمطر وازداد الوضع سوءاً”.

من المستنقع إلى السجن!

بعد اجتياز المستنقع الخطير، جلسوا في الغابة ينتظرون صديقيهم، حيث وعدهم المهرب بتكرار المحاولة في اليوم التالي، وقد أنهكهم البرد والمياه والعذاب، وبالفعل وصل الشابان في ثاني يوم، وأكملوا طريقهم مشياً على الأقدام لمسافة 20 كيلو متراً، ودخلوا مدينة اسمها “أورستيدا”، فشاهدهم فلاح، وتأثر لهيأتهم الموحية بالشقاء، فأخبر الشرطة كي تأخذهم إلى المخيم حتى يحظوا ببعض الدفء، ولكن ما حصل أن الشرطة قادتهم إلى السجن، وقامت بأخذ كل أغراضهم وموبايلاهم وجوازات السفر والأموال، ووضعوهم في زنزانة قذرة جداً ولم يكد يمضي يوم حتى امتلئ السجن بالأفغان والباكستان والبورميين.

يضيف ثائر: “قامت الشرطة بوضعنا جميعاً في شاحنة وأغلقوا أبوابها حتى لم نعد نرى شيئاً، وسارت الشاحنة لمدة 3 ساعات، ثم أنزلونا بالعتمة وكانوا ملثّمين، ولقموا مسدساتهم المزودة بكواتم الصوت، ومن يخرج منا صوتاً كانوا ينهالون عليه بالضرب حتى ينهار، ثم وضعونا في قارب مطاطي وأرغمونا على العودة إلى الجانب التركي. وجدنا أنفسنا مرة أخرى في تركيا، بدون أي شيء، لا مال ولا حتى ملابس تقي مرارة البرد، إلى حين رأتنا الشرطة التركية، فأقلتنا بالسيارة إلى مكتب تكسي حتى نعود إلى أدرنا، وكان الواحد منا في ذلك الوقت قد خسر حوالي 640 يورو، غير الـ 400 التي دفعناها للمهرب، ولم يكن هناك مجال للعودة إلى لبنان.”

خطة أخرى!

فكّر ثائر ورفاقه بخطّة أخرى، فوجدوا أن اتخاذ طريق البحر عبر أزمير هو الأفضل، بعد أن يئسوا من محاولات البر، وهنا ذكر كيف يواجه اللاجئون خداع وجشع المهربين، الذين يكذبون في حجم استيعاب “البلم” أو القارب المطاطي، حيث يملؤوه بأضعاف أضعاف ما يتحمّل، وقد استقلّ ثائر ورافقه قارباً بطول 7 أمتار، كان يقل حوالي 60 راكباً، بينهم عائلات مع أطفال ونساء، وانطلقت رحلتهم في السادسة صباحاً، وبعد مضي 5 ساعات ونصف، بدأ الماء يتسرّب إلى داخله، ما أثار هلع الجميع، فأجبروا السائق على العودة خوفاً من الغرق المحتّم، فرضخ لهم وعاد لإنزال عددٍ من الركاب حيث غادر 8 أشخاص.

يقول ثائر: “ثم انطلقنا من جديد ووصلنا إلى جزيرة (متيليني) في اليونان، وهناك رصد حركتنا الخفر التركي فأعادنا إلى تركيا من جديد، وأبلغنا أننا كنا معرضين للغرق، لأن أرضية القارب خشبية ومهترئة، وكنا قد وضعنا المال بمكتب تأمين تحسّباً لهكذا مواقف.”

يتابع: “لقينا كما المعتاد معاملة حسنة من الأتراك، وجلب لنا شرطيٌ البسكويت والعصير وأجروا لنا فحوصات طبية، ثم غادرنا وأعلمنا المهرب بما حصل، فوعدنا بتأمين المغادرة عبر جزيرة (سيمي) اليونانية، وهذه المرة كانت المحاولة حاسمة حيث كنا سنفقد الأمل فيما لو لم ننجح لا سيّما أن أموالنا قد نفذت.

مبتسماً كمن اجتاز امتحاناً صعباً يقول: “نجحنا أخيراً، بعد عناء شديد، ووصلنا إلى اليونان، حيث حصلنا هناك على بطاقات (الطرد) التي تقضي بمغادرة اليونان خلال 6 أشهر، وبعد ذلك سافرنا إلى أثينا وتوجهنا لسالونيك لنكمل الطريق، ولكن لحظنا العاثر كان الوضع متأزم هناك بسبب مقتل 3 شرطة مقدونيين على يد مهربين ألبان، لنواجه المعضلة السابقة ذاتها، حيث وفي 3 محاولات كنا نقع في قبضة الشرطة اليونانية وتقوم بإعادتنا إلى تركيا، وكانوا حينها يمنعون عبور السوري بأي شكل”.

تائهون في الغابات المقدونية!

لا يمكن وصف مشاعرهم في تلك اللحظات، كما يوضح ثائر، حيث باتوا يشعرون وكأن القدر لا يريد لهم إكمال الرحلة، إلّا أن لا خيار آخر، إما “الموت أو الحياة”، الجملة التي يكررها دائماً خلال سرد حكايته.

يتابع حديثه: “في آخر المطاف خطرت لنا فكرة النزول من القطار، في محطّة عشوائية، وبالفعل تمّ ذلك ودخلنا في الغابات المقدونية كالتائهين في الصحراء، وبقينا نمشي لمدة 3 أيام، حتى نفذ الطعام وانهارت قوانا، فاضطررنا إلى دخول إحدى القرى، وذهب شابان لشراء طعام، فألقت الشرطة القبض عليهم وأخبرونا فوراً فانضممنا لهم، وقامت الشرطة بإعادتنا من جديد إلى الحدود بين اليونان ومقدونيا، وكان تعاملهم جيداً وتركوا لنا الطعام الذي اشتراه رفاقنا!”

الاختباء عند إمام الجامع!

كلما شعر المتحدّث لثائر أنّ الحكاية انتهت، يعود ليتفاجئ بعقبات جديدة تعيد الأحداث إلى بدايتها، وكأنها تحاكي فيلماً سينمائياً أمريكياً، أبطاله أسطوريون لا يفقدون الأمل رغم الخذلان المتكرر.. يقول ثائر أنّ رغبتهم بالخلاص كانت تكبر وتشتد مع كل انتكاسة، وهو ما كان يلهمهم بخطط بديلة: “اقتربنا من مدينة (جيفجيليا)، واستقلينا حافلة ورمينا كل أغراضنا، والحمد لله وصلنا (كومنوفو) وهي آخر مدينة في مقدونيا على حدود صربيا، واسترحنا في جامع هناك، وكان الإمام طيباً ومحترماً، أدرك وضعنا بمجرّد أن عرف هويتنا، فدعانا نختبئ لديه تلك الليلة، وعرفنا لاحقاً أنه ساعد سوريين كثر، علماً أن القانون يحاسبه على ذلك، وفي ثاني يوم مشينا إلى (يويان) وهي ضيعة صغيرة ودخلنا منها إلى صربيا، ومشينا سيراً على الأقدام أكثر من 35 كيلو متر، ثم أخذنا الباص وقطعنا بلغراد إلى كينجاري آخر مدينة على حدود صربيا، واتفقنا مع تكسي لإيصالنا إلى الحدود الهنغارية، وهو ما حدث فعلاً حتى وصلنا بودابست، واتفقنا مع تاكسي آخر لإيصالنا إلى النمسا ومن ثم إلى ألمانيا، هدفنا المنشود.

هل سأعود يوماً؟!

يقيم ثائر اليوم في العاصمة الألمانية برلين بعد أن حصل على اللجوء الإنساني، يقول خاتماً روايته السريالية: “أحلم اليوم بحياة هانئة كإنسان طبيعي، ولا تزال مخاطر رحلتي الجنونية تثير فزعي كلما تذكرتها، لو عاد الزمن لا أدري إن كنت سأفعلها، لكني أدرك أنّي قمت بذلك بعد حالة يأس وإحباط سببها الأول هو النظام السوري.. ولا أعلم إن كنت سأعود يوماً إلى وطني.” أورينت.

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.