لاجئة فلسطينية من مخيم اليرموك تفقد طفلها خلال رحلتها إلى أوروبا

0

أخبار السوريين: إنه الانتظار الثاني بعد خروج لاجئة فلسطينية من مخيم اليرموك من السجن الذي قضت فيه ما يجاوز 10 أيام، لكن الانتظار هذه المرة لا يشبه أي انتظار فقد كان في حظيرة حيوانات، تلتها مدجنة دجاج أودع فيها الكثير من السوريين في انتظار عبورهم الشاطئ ومنه إلى الجنان في أوروبا عبر مراكب الموت وأدغال اغابات القاتلة.

ليست رواية أدبية بل هي قصة معجونة بشقاء الواقع السوري على امتداده، أم تيم سيدة في الثلاثينات من عمرها من مخيم اليرموك، كتب عليها الشقاء مرتين، مرة أنها سورية ومرة أن زوجها فلسطيني، دخلت مصر بينما ذهب ابنها وابنتها إلى اليمن للدراسة وبقيت مع زوجها وطفلها تيم ذي الست سنوات في مصر، إلى أن تم إعلان القرار عن منع أي دخول أي سوري أو فلسطيني إلى مصر، ما يعني استحالة اللقاء مرة أخرى مع أولادها في مصر.

وجدت أم تيم أن السبيل الوحيد من أجل لم شمل عائلتها بعد سنتين من الشتات هو أن تسافر في البحر مع ابنها الصغير ثم تصل هولندا أو ألمانيا ومن هناك ترسل طلب لم الشمل إلى أبنائها.

وبدأت القصة بمحاولة الهروب الأولى لها، والتي ألقى الأمن المصري القبض على مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين ومن بينهم أم تيم وأودعوا في السجن لمدة 10 أيام، خرجوا بعدها وما هي إلا أيام حتى تكررت محاولات الهرب.

تقول أم تيم لصحيفة “القدس العربي”: بدأت الحكاية منذ تم إيداعنا في شقة في أحد مصايف الاسكندرية، مكثنا فيها يومين إلى أن جاء أحد أذرع المهرب وطلب منا الركض إلى السيارة فالليلة سيتم العبور بأمان، كنا ما يقارب 30 شخصا، جلسنا حينها في سيارة لا تكاد تتسع لـ12 شخص، حتى تم وضعنا في منطقة نائية ومن هناك جاءت سيارات نقل وشاحنات لاقتيادنا لكن لا نعرف إلى أين!، وضعنا جميعا في السيارات أفارقة، وسوريين، وفلسطينيين، وعراقيين، وتم تغطيتنا بشوادر حتى لا يكشف أمرنا ولا نعرف إلى أين نحن ذاهبون، إلى أن وصلنا إلى مكان تنبعث منه رائحة كريهة جدا أشبه بروث الحيوانات، وبالفعل كان قد تم اقتيادنا إلى حظيرة، وكان قد أوقفنا مجموعة من الرجال المسلحين وبدأوا بتهديدنا إن أصدرنا أصواتا، وبدأوا بحراستنا ومكثنا في هذه الحظيرة مع الأبقار والدواجن ما يقارب شهر، نأكل من أسوأ الطعام وأسوأ الشراب حتى جاء اليوم الموعود، يوم خروجنا لاجتياز الشاطئ إلى القارب المركون في البحر، مشينا على الشاطئ ليلا ما يقارب ساعة ونصف، ركضا وهرولة، دون أي دقيقة استراحة فدقيقة استراحة قد تعرضك لخطر الإمساك بك من قبل الشرطة المصرية.

وتتابع حديثها بالقول: “إلا أن المفاجأة كانت عندما وصلنا إلى نقطة الانطلاق في البحر وطلب منا السباحة، كنت قد حملت حقيبة على ظهري وضعت فيها حاجيات تيم ولعبته، وحملت ابني لنسبح سوية، وبتنا نغوص أكثر في الماء حتى نستطيع الوصول إلى القارب الصغير الذي بدوره سيقودنا إلى القارب الأكبر، وبدأت هنا أفقد توازني وأشعر بالدوار ينال مني حتى بدأت يداي تفلت ابني الصغير، ولم أعد أشعر بشيء سوى أن أحدا ما أخذ الطفل مني ورماني على القارب الأكبر، بقيت ما يقارب الساعة غائبة عن الوعي حتى صحوت لكني لم أجد ابني أمامي، أين أذهب وأبحث عنه وأنا في البحر، غابت عنا اليابسة وابتعدنا، كان قاربا مهترئا خشبيا بطول 18 مترا، لا يحيط بك إلا الماء، لا هاتف لأتصل بزوجي وأسأله عنه، ولا شبكة ولا حتى شرطة تأخذني، كنت بعيدة عن كل الناس إلا عن 280 شخصا يرتجفون رعبا حولي، لا يملكون إنقاذ أنفسهم إن أصابهم شيء فكيف سينقذونني”.

وتضيف: “بدأت مأساتي هنا منذ شرعت برحلتي وبقي مصير ابني مفقودا، كنت صامتة طوال الرحلة أرى الموت في عيون من على القارب، لكن وجه طفلي كان أقرب وصورته أوضح، تارة أخاله ميتا، وتارة يؤكد لي شهود أن هناك رجلا انتشله من الغرق، مضت الأيام وكانت الرحلة الموعودة أربعة أيام، إلا أنها امتدت إلى ثمانية، وفي اليوم قبل الأخير أعلن عن فقدان الوقود في المركب، والتهديد باقتراب عاصفة بحرية مقبلة إلينا، وانتشرت حالة من الرعب والذعر بين صفوفنا، وبات مسؤولو المركب يحاولون بشتى الطرق تهدئتنا، إلا أنهم لم يتمكنوا من السيطرة على الأطفال والنساء، وما إن اقتربنا من المياه الإقليمية الدولية حتى اتصل مسؤولو المركب بكبيرهم وأعلنوا له أنهم يواجهون خطر الغرق بالقرب من الجزر اليونانية؛ بسبب انعدام الوقود فطلب منهم إغراق المركب بمن عليه وعدم تسليمه لليونان، عمت حالة من الرعب بسبب هذا الأمر، واعترف القائمون على المركب بأنهم تلقوا هذه الأوامر من رئيسهم، إلا أنهم بعدما رأوا الأطفال والنساء يبكون رفضوا الانصياع لتلك الأوامر، وبات من على القارب يرجونهم بأن يذهبوا بهم إلى أي يابسة، لم تكن صرخاتهم مسموعة ولا وصلت منجاتهم، حل الليل عليهم وبدأت العاصفة تنال من القارب المهترئ، تمر كل ساعة في تخيل شكل الموت والغرق، وكم ساعة سنتحمل مياه البحر، ماذا يعني ملح عيونك أمام ملوحة البحر”.

وتضيف: ساعات كنا نمارس فيها طقوس الموت كل على طريقته، كنت أنظر في عيون من حولي، يومها عرفت معنى الفراق الحقيقي، الكل يودع الجميع، بعضهم استسلم للموت وانهزم إلا من البكاء، لم يعد لديه دموع يبكي بها نحسه، وآخرون ما يئسوا من أن ينجيهم الله فباتوا يدعون ربهم بصالح أعمالهم، يرتفع الدعاء في القارب فنتخيل أن الموج انخفض، كنت أغمض عينيّ لأن لا أرى القارب يدور ويعود بنا إلى نقطة الموت، يهبط القارب ويرتفع مع كل موجة وكل حركة، حتى بدأت المياه تتسلل إلى جسدي كأني أهيئ نفسي لأن أمضي بقية ساعات عمري فيها غارقة.

وتتابع أم تيم: مضت 9 ساعات من حفلة الموت والغرق حاول القبطان من خلالها أن يحافظ على توازن المركب عن طريق احتفاظه ببعض الوقود ليحرك القارب بها في وجه الريح، مضت الساعات حتى طلعت الشمس وخفت صوت الريح قليلا وبتنا نهنئ بعضنا على النجاة بسلامة، وعانق واحدنا الآخر كأننا نعرف بعضنا منذ سنين، لكن العاصفة لم تنته، فاليوم الثاني كان من المتوقع أن تكون شدة الرياح أقوى، لا اتصال في عرض البحر إلا بواسطة هاتف الثريا، إلا أن الصدمة كانت بأن الهاتف لم يكن مشحونا سوى لدقيقة واحدة، دقيقة واحدة فقط في الثريا كانت ستحدد مصير 280 شخص، تم الاتصال يومها بخفر السواحل الإيطالية في تمام الساعة11 ظهرا وطلب من الجميع الحفاظ على هدوئهم حتى تصل البارجة، مرت الساعات حتى أوشك الغروب يحل علينا من جديد وهنا نال اليأس منا جميعا وبتنا حقا على يقين بالموت غرقا.

جلسنا جميعا منهارين خائري القوى لم نكن نطلب سوى الموت دون عذاب، إلا أن القدرة الإلهية حفتنا من جديد، أطلت ناقلة بضائع من بعيد لنا فبتنا نلوح لها كالأطفال، وبالأطفال وستر النجاة حتى تقترب منا، وبالفعل باتت تقترب قليلا حتى وصلت إلى المركب وبعد الاتصال بخفر السواحل الإيطالية تلقت الناقلة أمرا بأخذنا جميعا إلى اليونان، وكنا الأقرب إلى جزيرة كريت.

وتقول: بدأت رحلة معاناة جديدة، تم احتجازنا ما يقارب ثلاثة أيام أعطينا من خلالها ورقة طرد من اليونان، وانتقلنا إلى أثينا ومنها اعتمدنا المضي مشيا على الأقدام حتى نصل إلى مقدونيا، انطلقنا إلى سالونيك ومشينا على سكة القطار، وتحت حر الشمس تسعة ساعات متواصلة، حتى وصلنا إلى منطقة بولي كاسترو الحدودية منهارين لا طاقة لنا حتى على الأكل.

استرحنا بها وانطلقنا بعد يومين إلى أفزوني ومنها تابعنا سيرنا في مقدونيا، ومشينا أيضا ست ساعات متواصلة تحت المطر الغزير، ثم ركبنا القطار باتجاه الحدود الصربية، وكان اللافت بسيرنا في القطار هو المعاملة السيئة والضرب الذي يتعرض له السوريون على أيدي الشرطة المقدونية حتى أن أحدهم كسرت يده نتيجة ضربه بهراوة من قبل أحد أفراد الشرطة المقدونية، وتم التغاضي قليلا عن النساء والأطفال والعائلات.

وتضيف أم تيم: “بعد وصولنا إلى الحدود الصربية المقدونية لم تكن رحلة السير على الاقدام قد انتهت، فمشينا بحدود أربع ساعات متواصلة باتت حركتنا ثقيلة جدا بفعل تغطية أقدامنا بالطين، وامتلائنا بالماء نتيجة المطر الغزير، حتى وصلنا إلى الحدود الرئيسية الصربية وتفاجئنا بوجود الشرطة الصربية ومنعها لنا من الدخول إلا أننا تمكنا بفضل بعض الشباب من الهروب منهم إلى الغابات والجبال، ومشينا في الجبال وبين الغابات عشر ساعات متواصلة، كنا نمشي ونرى عظام الحيوانات أمامنا، نشعر بالخوف، لكن النجاة من الشرطة وإعادتنا ما مشيناه كانت أكبر من أي خوف”.

وتختم حديثها بالقول: “وصلنا إلى داخل صربيا حيث تتواجد بلدات للمسلمين الذين أحسنوا معاملتنا كثيرا، ثم انتقلنا بعدها إلى بلغراد، ومنها إلى الحدود الهنغارية، حيث المنطقة الأخطر على المهاجرين، فكنا نخشى من أن تمسك بنا الشرطة الهنغارية. محاولات متكررة لعبور الحدود أفضت بقضائنا إحدى أخطر الليالي في الغابات، كنا نسمع أصوات الحيوانات المفترسة، ونشعر بحركتها بجانبنا، لكن رؤية الشرطة وقد أمسكت بـ200 سوري جعلتنا محافظين على هدوئنا، حيث كنا في الغابة عشرة أشخاص وتمكنا من عبور الحدود ومنها إلى بودابست، ومن بودابست ركبنا في سيارة أقلتنا إلى ألمانيا، وهنا انتهت الرحلة”.

لكن القصة لم تنته بعد، أم تيم حتى الآن لم تتمكن من الاتصال مع ابنها، تقول صديقتها أنه بخير، إلا أن الشرطة كانت قد احتجزته ومنعت عنه التواصل مع أي أحد!، إلا أن شهودا كانوا مع أم تيم عندما صعدت إلى القارب وأكدوا أنهم شاهدوا الطفل يغرق.

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.