حكايا من وطن اللجوء

0

أحيانا كثيرة يراودني الشعور بأننا لن نعود لديارنا أبدا، وأن وطننا النهائي هو هذه الدولة الاسكندنافية… فلا يبقى من سوريا سوى تلك الذكرى التي يصعب تجديد جذوتها أو نقلها عبر الأجيال. فسوريا التي عرفناها وطنا وسجنا وساحة حرب، قد صارت ذكرى، وككل ذكرى هي في طريقها نحو التلاشي بعد أن دفعتنا الظروف لدول اللجوء التي بدأنا مشوار الترسيخ فيها… ولن يفيدنا في ترميم ذكراها تكرار الزيارات للأردن وتركيا، أو العمل في صفوف المعارضة السياحية في الخارج، أو التواصل عبر السكايب مع سكانها… ولتبيان مقدار المرارة التي نعيش وأسباب هذا التشاؤم سوف أورد بعض الحكايا من وطن المهجر السويد الذي سيمنحني الجنسية قريبا عندما أكمل اربع سنوات من اللجوء الذي لم أتصور يوما أنه قد يطول ويطول:

الحكاية الأولى: امرأة سورية أرمنية، تقول للسلطات في السويد أنها هربت من المسلمين لأنها مسيحية، وأن بشار كان يسمح لها التكلم بلغتها، والتعبد في كنيستها، قبل أن يأتي المتطرفون، وأنها مضطرة هنا للحديث بالعربية التي تكرهها لأنها لا تعرف لغة عالمية غيرها… و تنسى أنها تجبر على تعلم السويدية رغما عنها منذ اليوم الأول لقدومها، وهو ما لم تلزم بفعله يوم ولدت في سوريا، وتنسى أن أهل السنة من بلاد الشام قبل جد جد بشار هم من استقبلوها وحموها وعاملوها معاملة كريمة، هي وكل قوميتها وطائفتها وغيرها من الوافدين والمهاجرين، وأنها بدل أن ترد الجميل لهم تشهر بهم وتتهمهم، وتحصل على اللجوء بالافتراء عليهم في دول بعيدة، مدعية التقارب معها كونها مسيحية مثلهم، وهي لا تعلم أن الدين هو شيء غريب عن شعب السويد ووافد شكلا إليه، فشعوب شمال أوروبا لا تعرف التدين بالفطرة والتاريخ، ولا تؤمن بغير السلطة والقانون المادي.

تطلب المرأة الأرمنية اللجوء للسويد البعيدة كسورية، مع أنها تستطيع العودة لوطنها الأم الذي تتقن لغته وتنتمي اليه، أقصد أرمينيا العنصرية الحاقدة على الاسلام، وهي غير مضطرة أساسا للقول أنها سورية، وهي لم تكن سورية يوما كما تقول، وغير مضطرة للشحادة من دول غريبة لا تعرفها، بوجود بلدها الحبيب الأم حرا مستقلا يرحب بها، وغير مضطرة لأن تأخذ فرصة غيرها ممن قتل أهله واحتلت مدينته من أهل السنة، الذين يعيشون في مخيمات البؤس، وتنسى وتتناسى أن ابناء طائفتها وقوميتها من الأقلية الأرمنية، ما يزالون يقتلون أطفال السنة في حلب وغيرها من المدن، وهم من خيرة قناصي جيش النظام وشبيحته الذين أذاقوا شعبنا المر والمرارة.

الحكاية الثانية: شاب كردي من حزب البي كي كي الإرهابي، يبرر طلبه اللجوء للسويد كسوري هارب من داعش والاضطهاد العربي، وهو يجمع التبرعات من كرد السويد (تحت شعار كوباني) ليرسلها لحزبه الذي يقاتل العرب والترك ويساند النظام، ويقوم بطرد المواطنين الأصليين من ديارهم ويحرق قراهم في الحسكة والقامشلي، ويرتكب جرائم تطهير عرقي منهجية ضد العرب، الذين استضافوه وأكرموه عندما لجأ أهله اليهم قادمين من تركيا، بعد أن نهبوا أقلياتها وشاركوا في مذابح المسيحيين فيها، ثم غدروا بأهلها التركمان وتآمروا مع الغرب الذي تكالب على الدولة التركية وما يزال يسعى لتقسيمها لأنها حاربته في عقر داره طيلة قرون، و ينسى أن تركيا ما كانت لتهجرهم لولا أفعالهم، فهي اليوم تستقبل كل السوريين من دون تمييز وترحب بهم بطريقة لم نشهدها من غيرهم حتى من الشقيق.

الحكاية الثالثة: علوي من الساحل فر من خدمة نظامه بعد أن أوشك على السقوط، وهو يطلب اللجوء في السويد لأنه يخاف من الاضطهاد السني لهم كأقلية نصيرية، وينسى أن طائفته النصيرية قد فعلت ما فعلت بالأغلبية السنية، وأنه شخصيا ممن حارب وقاتل مع النظام، وممن قتل وسلب أهل بلده، وأن مكانه الطبيعي ليس اللجوء الإنساني كمضطهد، بل المحاكم الجنائية الدولية كمجرم حرب (طبعا يريد الفرار بثروته التي جمعها من مسروقاته التي باعها في سوق السنة).

الحكاية الرابعة: شبيح سني من أغنياء حلب فر بعد تحريرها إلى اللاذقية، وسكن في عرين الأسد وحضن النظام الذي دافع عنه، والذي كافأه بالاضطهاد الطائفي، فطلب اللجوء ليس لأن النظام قد فعل ما فعل به وبغيره، بل لأنه لا يستطيع العودة لحلب بسبب سيطرة الاسلاميين على مدينته، وينسى أن نصف حلب الأغنى والأهم ما يزال تحت رحمة شبيحة النظام أمثاله ورفاقه وحلفائهم من ميليشيا الأقليات (البريئة بنظره) والتي تمطر القسم الثاني بالبراميل.

الحكاية الخامسة: سوري مقيم قديم في الإمارات ومن أصحاب الاستثمارات فيها وفي سوريا ومن شركاء رموز النظام، يستغل أزمة سوريا لطلب اللجوء الانساني في السويد، وهو يأتي لحضور المقابلات ويدعي أنه مقيم، ثم يعود بجواز ثان لعمله هناك، ويزاحم من دون حق من يحتاج فعلا لإيواء وإطعام أولاده من السوريين الذين يركبون الأمواج طلبا لها.

الحكاية السادسة عن لبناني شيعي متزوج من سوريا الأصل أرسلها في البحر وخاطر بحياتها لتطلب اللجوء كسورية فارة من الحرب، ثم تقوم بلم شمل العائلة الكريمة وهو من أنصار حسن الذي يمهد الأرض للغزو الاستيطاني الفارسي لبلاد الشام وتهجير أهلها.

الحكاية السابعة لكردي عراقي مقيم في السويد منذ أيام صدام، وهو عاطل عن العمل، فقام بتهريب قريبه المعاق من اربيل للسويد، ودفع له التكاليف، وجعله يدعي أنه كردي مكتوم من سوريا، فر منها بسبب أوضاعها، والهدف من فعلته هذه هو حصوله على فرصة عمل وراتب محترم، كونه سيعيش مع قريبه المعاق ويقدم له المساعدة، ولكون المعاق مفرط الوزن فهو يحتاج وفقا للقانون السويدي لاثنين من المرافقين، وهكذا وظف زوجته أيضا في ذات العمل الذي يتقاضون عليه 60 ألف كرون شهريا، أي ما يقارب 8 الاف دولار، غير راتب المعاق وتكاليفه ومنزله المجاني، وكلها من موازنة دائرة الهجرة التي يدفعها المواطن السويدي تكرما ويمنن بها الشعب السوري، والمخصصة لاستقبال المحتاجين وباسم الشعب السوري المنكوب الذي يتحمل منّتهم دون أن يناله شيء.

…. وهكذا أغلب من يحصل على اللجوء هنا هو من هذه النمرة. بينما يتم التحفظ والتشدد على كل سني مضطهد فعلا ويحتاج فعلا لوطن وحماية ورعاية. فقط لأن هويته عربي وسني وفقير أو لأنه دافع عن نفسه وعرضه وماله، وهي بحد ذاتها تهمة في التطرف والارهاب تمنع عنه الحصول على حق اللجوء…

الأقليات التي فعلت ما فعلت بالأغلبية، وشردتها وقتلت أبناءها ودمرت مصادر عيشها، تتسابق للبكاء والشكوى من اضطهاد الأغلبية المتوقع قبل أن تكف هي عن فعلتها الشنعاء.. وتنشر في الغرب صورة مشوهة عن الحقيقة وتساهم في تعزيز العنصرية الصليبية المتوارثة في أوروبا التي تدعي الإنسانية، والتي تصب في مصلحة النظام القاتل، مستفيدة من أفلام الفيديو التي تحرص داعش على تصويرها بطريقة هوليودية، والتي يتم تداولها على أوسع نطاق، بينما يمتنع الإعلام العالمي الغربي عن نشر باقي صور الشناعة التي تصيب أهل السنة والعرب والتي يرتكبها الشيعة والكرد والمسيحيون والعلويون… فالغرب يسمع ويرى بطريقة انتقائية، والأقليات تقدم له ما يريد ويحب، حتى نشطاء حقوق الانسان من الأقليات ذوي الصوت المسموع يركزون هنا على جانب وينسون الجانب الآخر تبعا لانتمائهم الأقلوي. ولا يخفيك أن شتم الأغلبية واتهامها بالتطرف والارهاب هو مفتاح قلوب الغرب الذي تستخدمه الأقليات للترحاب بها، فيحبهم ويحبوه ويتحالفوا على كراهيتنا…

فعلا حكايات تثير الكراهية الطائفية المضادة، حتى عند من كان لا يعرفها ولا يؤيدها ويتجنبها ما استطاع… إنها شيء يجعل دماءك تغلي عندما تشاهد أهلك يقتلون مرتين وبطريقتين ثم يتحول القاتل لمجني عليه… و عندما تشاهد هذا الكذب والنفاق والطعن بالظهر ونكران الجميل ممن كانوا في يوم أبناء وطنك الذي لم يؤمنوا به يوما… فهل بعد هذا ستحتفظ سوريا بتنوعها وتعدديتها… ؟ بكل أسف سوريا هذه قد ماتت وشبعت موتا قبل بكثير من اندلاع الحرب الأهلية، على الأقل في نفوس وثقافة الأقليات الذين ينتمون لكل شيء غير سوريا وثقافتها وأهلها…

حتى بت مقتنعا أنه لن يسكن أرض سوريا في المستقبل غير المنتصرين في الحرب الأهلية، التي على ما يبدو لن تضع أوزارها قبل أن يُخرج المنتصرون المهزومون منها، في حرب وجود تكاد تكون كونية…

لقد صنعنا المعروف في غير أهله، وقبلنا بمن لا يقبل بنا، ثم سودنا علينا من لا ذمة له ولا هوية ولا أصل ولا دين، بغبائنا وجبننا وأنانياتنا التي طغت على أغنيائنا ومشايخنا وكبرائنا، فنشر بيننا الفرقة والعداء والكراهية والحقد والفساد، ثم أشعل الحرب علينا واستعان بالعدو والغريب القريب والبعيد.. ولم نتعلم من تجربة لبنان، ولا من درس العراق، ولم يتعلم بقية العرب من درس سوريا حتى الآن. بينما نحن رمينا جميعا بعضنا البعض، فأصبحنا قمامة في مزبلة التاريخ، وصرنا وجبة على مائدة اللئام. وصار علينا أن نخوض معركة الوجود والبقاء تحت أي راية تحقق لنا الوحدة والنصر مهما كانت سوداء وحاقدة… بسبب ذلك الحقد اللئيم الذي نعيشه قتلا وحرقا وتهجيرا وعنصرية وطائفية…

أخيرا نصيحتنا لمن يبقى منا في هذه الأرض أن يحاذر تكرار أخطائنا، وما يشفي غليلي أنه يفهم ذلك حسا وعملا ويقوم بالواجب ويزيد عليه، و ما يولد يأسي أنه يحقد علينا لدرجة منعنا من العودة حتى لو انتصر، لأننا بنظره أصدقاء أعدائه تخلينا عن خصوصيتنا وهويتنا، وسرنا وراء وهم اسمه الإنسانية والتعايش، لنعيش بقية عمرنا الكراهية والتمييز في بلد الإنسانية التي آمنا بها نموذجا في لحظة سذاجة.

بقلم د. كمال اللبواني

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.