الجباعي يسرد في “الثقافة والاستبداد” ملمحا من الواقع السوري

0

أخبار السوريين: نظر الكثيرون لتردي الواقع الثقافي في سوريا والعالم العربي، منذ مرحلة استقلال بلاد المنطقة، وحتى حاضر الانقلابات السياسية الجذرية المعاصر، ولطالما قُيد هذا البحث النظري بقيود الرقابة الحديدية التي فرضتها الأنظمة الحاكمة في هذه البلاد، ففي سوريا على سبيل المثال، الرقابة فعل سابق، حيث تنظر الرقابة في فكرة البحث وموضوعه، ومهمتها قراءة البحث قبل نشره، لتحدد إن كان صالحاً للجماهير أن تطلع عليه، وهذا الصلاحية تُقرن بالتوجهات الفكرية والسياسية للسلطة الحاكمة، ثم في زمن الفضاء الإلكتروني المفتوح عبر مختلف الأشكال كالتدوين، والمجلات الإلكترونية، وحتى مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت هذه الرقابة نفسها أمام عقبات جديدة، ووجد الباحثون أنفسهم أمام القليل من حرية التعبير كمُتنفس لهم.

غسان الجباعي هذا الرجل الهادئ، الذي رفض مغادرة سوريا في رحلة التهجير اليومي منذ أربع سنوات حتى اليوم، المُدرس السابق في المعهد العالي للفنون المسرحية، وصاحب مجموعتين قصصيتين “أصابع الموز- 1994″ و”الوحل- 1999” بالإضافة إلى ثلاث مسرحيات نشرها عن وزارة الثقافة عام 1995، ومجموعة شعرية بعنوان “رغوة الكلام”- 2011. كما صدرت له العام المنصرم رواية “قهوة الجنرال”، “دار نون للنشر” حول رحلة طويلة بين المعتقلات والسجون وبيوت البغاء السرية، التي تتداخل فيها الأزمنة والحيوات، كما يتداخل المنطق وما يتجاوزه أيضا، والتي حازت المرتبة الثانية في جائزة المزرعة التي تشرف عليها رابطة الكتاب السوريين.

عن دار “نون للنشر” أيضا، صدر مؤخرا للجباعي كتابٌ بحثي بعنوان “الثقافة والاستبداد”، الذي يعلن منذ كلماته الأولى موقفاً صارماً، ومجابهة مفتوحة مع ثقافة التزييف والتجميل التي فُرِضَ العمل بها طوال عقود.

يقول في البدء: “إن الثقافة لا قيمة فعلية لها، في مجتمعاتنا المتخلفة وأنظمتنا المستبدة المعادية للحرية. وإن دورها تابع للسلطة وثانوي، وإن المثقفين مجرد صانعي أوهام ومستهلكي حبر، وهم شخصيات ورقية انتهازية، أو مجرد صرخات ميتة على موجات الأثير. متجاهلين أن الثقافة، في كل الأحوال، هي نشاط اجتماعي وظاهرة تاريخية، نصنعها وتصنعنا.. وهي قيمة بحد ذاتها، مثلها مثل العلم والجمال والمعرفة.. وأن المثقف قد يكون متطفلاً على الثقافة أو بوقاً للسلطة، وقد يكون مثقفاً حقيقياً، منتجاً للثقافة ومدافعاً عنها.. علينا أولاً أن نحدد: عن أي ثقافة نتحدث وعن أي مثقف؟.

هذا الكتاب يحاول أن يعيد طرح سؤال الثقافة الحقيقية، ودورها في إنتاج، وإعادة إنتاج المعرفة والقيم الإنسانية السامية، في ظل نظام الاستبداد العسكري، الذي يعمل جاهداً على تشويه الثقافة ومصادرتها وتحويلها إلى أداة من أدوات الحكم، وتعميم التفاهة والابتذال وتحويل المثقفين إلى مرتزقة وجلادين..”.

البحث الذي يمتد عبر 136 صفحة يتميز بكونه بحث شخص مارس الفعل الثقافي في سوريا منذ خروجه من المعتقل، كتابة وعملاً مسرحياً، هو ليس حديث الباحث النظري الغارق في كومة أرواقه وكتبه فقط. بدأت رحلة الجباعي مع تخصصه في الأدب العربي من جامعة دمشق، ثم حصوله على الماجستير في الإخراج المسرحي عام (1981) من معهد “كاربينكا كاري”- كييف. بعد عودته إلى سوريا أمضى قرابة عقد من الزمن في السجن، وبعد إطلاق سراحه عاد الجباعي إلى الكتابة والإخراج المسرحي، فأخرج العديد من المسرحيات لصالح المسرح القومي في دمشق منها: “جزيرة الماعز- 1994″، وعن نص “ألكسندر غيلمان” اشتغل عام 1998 عرض “أخلاق جديدة”، ثم ألف وأخرج عام 2003 عرض “سلالم”، وبعدها ذهب إلى تاريخ الفلسفة الإسلامية وبحورها في عرضه المُميز “السهروردي” عام 2006.

يعمل الجباعي بهدوء، وكأنه يحول فترات حضور الكهرباء في حياته اليومية إلى فترات كتابة، تكثيف لهذا الفعل الذي قد يبدو رفاهية في زمن الحرب، والانقطاع شبه المتواصل للكهرباء، الوحدة وفَقدِ الاصدقاء، فهو لم يتوقف خلال أربع سنوات من إيجاد الفرص لصوته في مختلف المساحات الممكنة، نشر قصائد للمعتقلين والمُغيبين في سوريا، ومنهم ما كتبه إلى الأب باولو الراهب الإيطالي المُختطف من قبل الجماعات المُسلحة الجهادية في شمال سوريا منذ أكثر من عامين تقريباً، يقول له: “نسير على تراب الأرض/ ثم نحرثها/ ولا نترك فيها/ ما بناه الله والرومان/ من دورٍ وأديرة/ ونبكي/ غيمةً غيمة/ فوق الخراب/ نضمدُ الجرحى بأنقاضِ البيوت/ ونصلب القتلى على أعمدة الدخان/ ونقول: يا الله../ ضع حداً لحزبك”.

عام 2007 ختم الجباعي حواره مع “القدس العربي” حول عرض “السهروردي” بالقول: “مثلما قتلوا السهروردي لأنه فكر، سيحاولون قتل أي مثقف عندما يفكر. فالتفكير صار ممنوعا”.

في كتابه الصادر مؤخراً يقول المُعتقَل منذ (1982) وحتى (1991) منها عامان قيد الاختفاء القسري: “الاستبداد ليس مجرد سلطة سياسية، بل هو سلطة مهيمنة متخلفة، لا عقلانية، وتحتاج إلى مقاربة مختلفة لعلاقة الثقافة، ليس بسلطة المستبد فقط، بل بسلطة الحزب وسلطة الأمن وسلطة الدين ورأس المال والعقيدة والأخلاق والعادات والتقاليد الاجتماعية، التي تكتسب دوراً مهماً، في ظل الاستبداد، وكل أنواع السلطات الأخرى المعادية للثقافة عموماً، التي يحتضنها، أو التي تمنع وتحد من حرية الثقافة والإبداع..”.

أعتقد أن غسان الجباعي قدم بهذا النص الجميل إضافة نوعية لموضوعه، تثري المكتبة العربية وثقافتنا المقموعة، إنه كتاب جدير بالقراءة. يارا بدر. القدس العربي.

مشاركة المقال !

Comments are closed.