موقع أخباري منوع شامل

.

الأزمة السورية أفشلت الحرب ضد الإرهاب


الأزمة السورية أفشلت الحرب ضد الإرهاب

تسببت الأزمة السورية بتداخل ملفات عديدة مع بعضها البعض بشكل غير مسبوق، وأصبح تفكيك القضايا المتضمنة فيها أمرا شبه متعسر ما لم تنته هذه الأزمة بشكل نهائي.
ويكفي الاطلاع على عناوين الأخبار ذات الصلة لاكتشاف حجم ذلك التداخل ومدى صعوبة مهمة التعاطي مع كل من هذه القضايا خارج إطار تسوية لتلك الأزمة، ومن ذلك اللقاء الذي تم الأسبوع الماضي في العاصمة القطرية بين رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، ومساعد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، جاء على خلفية القطيعة بين الطرفين العام الماضي بعد عملية القصير في سوريا.
تلك العمليات كشفت للتحالف الذي يضم سوريا، إيران، وحزب الله، أن حماس نقلت خبراتها للمجموعات التي تقاتل ضد نظام الأسد، وبعض تلك الخبرات استفادتها حماس من علاقاتها مع إيران وحزب الله.
هذه المرة أشاد مشعل، حسب ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية، بدعم إيران للمقاومة في فلسطين، مؤكدا أن حماس لن تنسى الدعم الذي قدمه بشار الأسد والشعب السوري لفلسطين.
تصريحات مشعل يمكن تفسيرها في إطار طبيعة السياسة وتقلباتها وتغير لاعبيها وتحالفاتهم بشكل مستمر، لكن المهم أن الأزمة السورية لم تترك بيتا إلا دخلته من أوسع أبوابه.
بل إنها أدت إلى تمزيق الأمة بشكل غير مسبوق وفق خطوط الدين والمذهب والموقف السياسي، حتى أن الدول المجاورة لسوريا أصبحت هي الأخرى متورطة بشكل أو بآخر في صراع ليس من صنعها ولن تستفيد من نتائجه كثيرا، ولكن عليها أن تدفع فواتير استمراره بعد أن أصبح جرحا نازفا يستعصي على الرتق.
ويمكن القول بكل ثقة إن من أهم ضحايا تلك الأزمة، بالإضافة للشعب السوري الذي يعيش محنة هي الكبرى في تاريخه المعاصر، القضية الفلسطينية خصوصا منظمة حماس، ومشروع التغيير الديمقراطي في العالم العربي، والعلاقات العربية الإيرانية والعلاقات بين المسلمين، ومشروع الإسلام السياسي.
وثمة ضحية أخرى يتوقع أن تتضح معالمها في المستقبل غير البعيد تتمثل بالأمن القومي للدول التي ما تزال تغذي الحرب الهلية بالمال والسلاح والرجال، والمنطقة بانتظار تبعات الأزمة السورية على صعيد الأمن القومي للعديد من الدول، خصوصا التي دفعت لتصعيد الوضع الأمني والعسكري بهدف إسقاط نظام بشار الأسد.
ولكن يلاحظ أيضا أن هذه الدول أدركت هذا الخطر واتخذت بعض الخطوات لمنع وقوعه أو الحد من آثاره إذا حدث، ففي الشهر الماضي عينت السلطات الأمريكية مسؤولا مخضرما لإجراء تحقيق بشأن تدفق مقاتلين أجانب بينهم أمريكيون ينضمون لمقاتلي المعارضة في سوريا وذلك في علامة على الانزعاج المتزايد من خطر المقاتلين المتشددين العائدين إلى أوطانهم.
وينضم معظم الأجانب إلى الفصائل الأكثر تطرفا التي تسعى للإطاحة ببشار الأسد ومنها جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام، ويقول مسؤولون أمريكيون وغربيون إن تخوفهم الرئيسي هو أن يبدأ المقاتلون المخضرمون الذين زادتهم تجربتهم في سوريا تشددا في شن هجمات إرهابية بعد عودتهم إلى بلدانهم.
وما يدعو للاستغراب هنا، أن واشنطن خاضت تجربة مماثلة في أفغانستان، حيث دعمت مجموعات من المجاهدين للقتال ضد الاتحاد السوفييتي، وكان لها دور في تأسيس تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. فماذا كانت النتيجة؟ لقد دفعت واشنطن الثمن الأكبر لذلك بعد انتهاء الحرب ضد القوات السوفييتية، ودخل العالم مرحلة الإرهاب الدولي الحقيقي الذي تقوده القاعدة.
وبعدها خاضت أمريكا ما تسميه الحرب ضد الإرهاب، وخصصت إمكانات مالية وعسكرية هائلة لذلك، وبدلا من القضاء عليه يمكن القول بأن الإرهاب اليوم توسع كثيرا وامتد إلى أسيا، بما فيها روسيا والصين، وأفريقيا، وربما ساهمت سياسات هندسة الإرهاب في منع وصوله للعواصم الغربية، ولكن ما ضمانات عدم حدوث ذلك؟
الملاحظ أن هذه الإجراءات الأمريكية لم يصاحبها قرار بإنهاء الأزمة السورية، بل لتوسيعها، فقد ذكرت قناة فوكس نيوز الشهر الماضي أن الولايات المتحدة أرسلت صواريخ مضادة للدبابات إلى مجموعات مسلحة تابعة للمعارضة السورية.
وخلال زيارة وفد المعارضة السورية لأمريكا، نوقشت مسألة زيادة الدعم الأمريكي واتخذت قرارات لم تتضح حتى الآن، الأمر الواضح إذن، هناك حرص غربي على استمرار الأزمة السورية خشية أن يؤدي انتهاؤها إلى توزع المقاتلين في أنحاء العالم ووصولهم مجددا إلى العواصم الغربية.
وقد أصبح هذا الاحتمال هما يراود الساسة الغربيين الذين أصبحوا أمام خيارين كلاهما مر: وقف العمل العسكري في سوريا والعراق، بهدف خنق المجموعات المسلحة التي أصبحت تستقطب عناصر من كافة أقطار الدنيا، أو التدخل عسكريا لإسقاط النظام السوري، وهذا ما تطلبه السعودية.
ولعل الغرب لم يواجه وضعا كهذا يفرض عليهم حسم القرار بهذا الاتجاه أو ذاك، لأنهم يعلمون أن عدم اتخاذ قرار واضح ليس خيارا، لأنه يعني استمرار الوضع الراهن وما ينطوي عليه من حتمية انتشار دائرة العنف ووصولها إلى الغرب مجددا.
الساسة الغربيون باتوا يعلمون جيدا أن الإرهاب توسعت دائرته ووصل إلى قلب أفريقيا، ولكن غياب النظرة الإستراتيجية لدى هؤلاء جعلهم يترددون كثيرا في اتخاذ قرار شجاع باحتواء العنف ومحاصرة من يمارسه.
وما حدث العام الماضي في الصومال على أيدي حركة الشباب وكينيا مؤخرا، وقبلها في الجزائر كل ذلك مؤشر سلبي لاتجاه انتشار الإرهاب في أفريقيا، كما أن نيجيريا برزت مؤخرا لتنضم إلى الدول الموبوءة بالإرهاب.
فبعد أن قامت منظمة بوكو حرام بخطف حوالي 300 فتاة من إحدى المدارس وإجبار بعضهن على تغيير دينهن، حدثت تفجيرات رهيبة سلطت الضوء على خطر انتشار الإرهاب إلى مناطق نائية من القارة الأفريقية.
ففي 20 من هذا الشهر قتل أكثر من 120 شخصا في الانفجارين اللذين هزا منطقة تجارية مزدحمة بمدينة جوس عاصمة ولاية بلاتو بوسط نيجيريا، وتفجير انتحاري آخر بمدينة كانو بشمال البلاد منذ أيام.
ويتوقع استمرار الأعمال الإرهابية في نيجيريا ما دام الموقف الدولي إزاء ظاهرة الإرهاب في العالم الإسلامي باهتا، وثمة تساؤلات عن سر استهداف الدول الإسلامية الكبرى بهذه الظاهرة، فمن باكستان إلى العراق ومن مصر إلى نيجيريا، تنتشر الظاهرة لتوقف عجلة التنمية التي تتطلب الاستقرار، ولتشغل الدول الإسلامية الكبرى عن أداء دورها في النهضة الإسلامية التي طالما كانت حلما للمسلمين.
وأمريكا ليست وحدها التي تسعى لمنع عودة الإرهاب إلى أراضيها، فمن جانبها اتخذت بريطانيا إجراءات مشددة لمنع المواطنين البريطانيين من الذهاب إلى سوريا للمشاركة في الحرب، وفي التاسع من هذا الشهر قالت لجنة برلمانية إن بريطانيا يجب أن تتحرك بصورة عاجلة لمنع مواطنيها من السفر للقتال في سوريا وصراعات أخرى وسط مخاوف من أنهم يمكن أن يتبنوا فكرا متشددا هناك وأن يعودوا لتنفيذ هجمات في بلدهم.
كما حذر رئيس لجنة الشؤون الداخلية كيث فاز أيضا من أن بريطانيا تواجه حاليا تهديدا إرهابيا شبيها لما حدث في فترة هجمات 11 أيلول/سبتمبر على الولايات المتحدة قبل 13 عاما.
وقالت اللجنة في تقريرها عن مكافحة الإرهاب: عدد المواطنين البريطانيين والغربيين الذين يسافرون للقتال في صراعات أجنبية وصل إلى مستويات مزعجة تختلف عن أي شيء شوهد في السنوات القليلة الماضية.
وقال كيث فاز: إن منع البريطانيين من الرجال والنساء من الذهاب ليصبحوا مقاتلين أجانب في سوريا وميادين صراعات أخرى والتواصل معهم حين يعودون أمر حيوي لتجنب تعريض أمن بريطانيا للخطر على مدى سنوات كثيرة قادمة.
وقد سلكت فرنسا الطريق نفسه، مؤكدة أنها ستتخذ إجراءات رادعة في حق مواطنيها الذين يقاتلون في سوريا، من بينها إلغاء قانون يعفي الأحداث ممن لم يبلغوا سن الثامنة عشرة من الحصول على إذن ذويهم قبل مغادرة الأراضي الفرنسية، وإعادة اعتماد قانون يسبقه كان يفرض الحصول على هذا الإذن.
وتتضمن الخطة كلك بندا يتعلق بتعميم اسم كل من يشتبه بعلاقته بشبكات التجنيد وصورته في جميع الدول الأوروبية، بحيث يمنع من السفر إلى أي منها، وإنشاء فريق خاص مكلف بالتواصل مع أهالي المقاتلين الفرنسيين، إلى جانب مراقبة بعض المساجد التي تحرض على التوجه إلى القتال.
كما أن هذا التوجس والقلق من المقاتلين في سوريا أصبح هما يشغل بال الدول المجاورة، خصوصا السعودية، وقد انتهجت الرياض مؤخرا خطة أخرى لردع مواطنيها من التوجه للقتال في الشام، وسهلت إجراءات عودة الراغبين من أولئك المقاتلين الذين يقدر عددهم بأكثر من 1400.
ثقافة العنف أصبحت تحديا خطيرا لقوى الثورة المضادة، هذه المرة لن يقتصر الثمن الذي تدفعه هذه القوى على ما يوجه لها من انتقاد أو شجب، بل إن خطر العنف الميداني سيتجاوز المألوف وسيصيب مشاعر الشعوب الآمنة بصدمات نفسية وأخلاقية غير معهودة.
بل سيتجاوز ذلك لأنه سيفجع الكثيرين في أعز ما يملكون، كل ذلك من أجل تنفيذ خطط الكبار الذين تحميهم الجيوش المدججة بصفقات السلاح العملاقة. لماذا يضحي هؤلاء بالشعوب المظلومة؟ وهل يبرر التهافت على السلطة والمال هذه الجرائم بحق الآمنين؟. د. سعيد الشهابي. القدس العربي.



لمحة عن كاتب المقال


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>