عبد المجيد الذي اصيب بالشلل و العمى تحت التعذيب .. ومات في زنزانته

0

في زاوية الزنزانة المظلمة ثمةَ خطيئة تكاد تشقًق منها السماء …

فعندما أصيب عبد المجيد بالشلل في قطاع الإفراديات إدارة المخابرات الجوية بدمشق نتيجة لغرزهم مسمار في ظهره …..لم يكن يعلم أن المساعد :
(( نصر اسبر )) سيفقأ له عينه اليمنى بالكبل في قسم التحقيق ….. ليسوء حال عينه الثانية وخلال أسبوع واحد يمسي ضريراً في ظلمات بعضها فوق بعض…..
ويكون أحد المقُعدين الذين كانوا في زاوية زنزانتنا صرخة وجع تطعن ضمير هذا العالم الدنيئ.

في قطعة الجحيم تلك لم يكن المقعدون المصابون بالشلل يذهبون معنا للمراحيض كانت كل فضلاتهم تحتهم …. في بعض الأحيان كنا نحفضهم بأكياس الخبز التي نادراً ما كنا نحصل عليها.. وكانت رائحتهم قاتلة لدرجة أننا نحبس أنفاسنا حين نُحفض واحداً منهم….

في كل مرة كنت أقترب فيها من عبد المجيد لأتأكد إن كان حياً أم أنه استشهد وأسأله أخي عبد المجيد كيف أنت:
كان يستجيب لأي كلمة بخليط عميق من ملامح الأسى التي كانت تتصارع لتفوز بوجهه الجميل
و يمد يده التي ترتجف إليَّ….
ويحاول أن يدير وجهه بالإتجاه الصحيح نحوي لترتعش كالعادة شفتيه عدة مرات ويسيل لعابه خارج فمه قبل أن يقول بلهجته الحَمويه :
_ خيي وائل أنا مشتاق للأولاد …كتير … والمشكلة حتى لو طلعت من هون كيف بدي شوفهن أنا عميت أخي وائل ….. مبارح حلمت إني طلعت وشفت الولاد وبستهن كلهن
ثم يضخ حزن الكون كله بقلبي حين يبدأ بالبكاء دون دموع ..ويقول :
_أنا مسجون بعتمتي خيي وائل … أنا ما بقى تفرق معي الأماكن كلها بالنسبة إلي صارت سجن .. ويشهق ليكمل جملته التي لازالت تقضم قلبي ويقول : بلكي بحضنهن مرة قبل ما موت …

_كنت أظن أن العميان لا يحلمون لكني عرفت في الزنزانة أن كل شيء يحلم حتى الأشياء والشوارع والنوافذ ….
في منتصف الليل سحلوه من رجليه وهو يتلفت في عتمات عينيه ولا يعرف أين هم آخذوه..
وبعد أيام كانت جثته في الممر كأنها وطنٌ مهجور لم يسكن فيه أحد سوى دموعنا عليه .. دموعنا التي ذهبت هباءً

_ حين خرجتُ من المعتقل ورأيت ابنتي لأول مرة لم تعرفني… وحين سألتني من أكون اخترقني سؤالها كرمح…. لم أستطع حتى أن أجيبها من أكون !! كيف يخبر أبُ إبنته أنه والدها كيف…!!
غصصت وانتحبت بكاءً لصورة عبد المجيد التي سيطرت على ذهني عندما سألني كيف يمكن أن يرى أولاده بعد أن أقعدوه وأعموه…. !!
أنا خَجلٌ من عبد المجيد لأني رأيت طفلتي….. و هو لن يتمكن بعد اليوم من رؤية ملامح أطفاله….!!
وخجل لأن “نصر اسبر” لازال يعيش ككل الأخرين في وطني المحتل ولم يحاكمه أحد ..
وخجل من الظلام الذي كان سجن عبد المجيد الكبير ولم يطلق سراحه منه الموت …..
رائحته التي كانت تؤلم الجدران أطيب عندي من طيوب الدينا… وقطع البراز التي كانت قد يَبست على قروحه التي ملأت ظهره وفخذيه كنت أقشرها له بقطعة قماش من قميص معتقل مات بالأمس …
عبد المجيد كان يحلم أن يعود يوماً لكنه بقي هناك لأجلكم…

قبل الموت أعطاكم قوته وبصره.. وبعد الموت أعطاكم روحه وحياته …

آه يا وجعي آه يا عبد المجيد … أنا اليوم ـأتمنى لو كنت ضريراً ولا أرى ما يفعله بنا من حسبناهم منا قبل أعداءنا …..
عبد المجيد كان شريك العذاب كان السوري المسحوق الذي تحتاجون لمجهرٍ كي تروه .. عبد المجيد هو أنا وكل السوريين الذين خانهم كل هذا العالم الرخيص … هل تسمعوننا أيها السادة هناك .. !!!

أنتم يا من تفاوضون على بحر من دماءنا وتراث من هتافاتنا و حضارات من مقابرنا … لم يعد لدينا لكم سوى جملة واحدة يا سادتي :
سنطئ عليكم ونثور من جديد …..

بقلم: المعتقل السابق وائل زهراوي

مشاركة المقال !

اترك تعليق