الحرب بين إسرائيل وحزب الله.. بدأت

0

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالحروب المندلعة في سوريا والعراق، فإن حربا شرسة تندلع في الإقليم وقد تجاوزت مرحلة البداية بأشواط كثيرة، غير أن ما يؤجل النقل المباشر لوقائعها ورفعها إلى مستوى الأحداث الخطرة في التقييم الدبلوماسي والعسكري؛ حقيقة أن الحرب تخاض، حتى اللحظة، ضمن نطاقات محددّة، وكونها تجري من طرف واحد في الغالب.

مؤشرات الحرب على لبنان تؤكد انخراط إسرائيل بشكل جدي في تفاصيلها. فطائرات الاستطلاع تعمل على مدار الأربع والعشرين ساعة، ولا تستثني كيلومترا واحدا من المساحة اللبنانية، من جنوبها إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها، كما يعمل سلاح البحرية الإسرائيلية على إجراء مسح يومي للمياه الإقليمية اللبنانية، وكذلك زرع إسرائيل لأجهزة التشويش والتنصت قرب الجنوب اللبناني بكثافة، فضلا عن الرصد العادي والمكثف لقرى الجنوب وتعزيز بنك الأهداف الإسرائيلي، والذي يبدو أنه يركز على مناطق شرق البقاع التي يعتقد الإسرائيلون أنها ستكون مواقع إطلاق الصواريخ في الحرب القادمة.

وكانت إسرائيل قد أعلنت، على الملأ، أنها أنجزت البنية التحتية للحرب على حزب الله، وأتمت استعداداتها النهائية قبل أكثر من شهر، عندما أجرت مناورات وصفها المراقبون بأنها الأقوى منذ سنوات. وقد جرى الحديث حينها عن مسعى إسرائيل لمعالجة وترميم نقاط الضعف، وخاصة في سلاحها البري، وتعويض هذا الضعف من خلال جعل الخطط الحربية أكثر رشاقة ومرونة، بما يتكيّف مع التغيرات الحاصلة في قوّة حزب الله، سواء على مستوى تطوير قدراته الصاروخية وزيادة كميتها ومدى استهدافها، أو من خلال الخبرة التي حصل عليها عبر مشاركاته في الحروب الدائرة في سوريا والعراق، وحتى اليمن.

وليس خافيا أن نهاية الحرب السورية، أو على الأقل انخفاض زخمها إلى حد بعيد، دفع إسرائيل إلى تغيير حساباتها بعد أن تغير المشهد؛ نتيجة الانخراط الروسي في الحرب لصالح المنظومة التي تقودها إيران، وبعد أن وجدت إسرائيل نفسها أمام واقع جديد أصبحت إيران فيه دولة حدودية معها من خلال انتشار مليشياتها (العراقية والأفغانية) وحزب الله، قرب الجولان وتشكيلها وضعية خطيرة من شأنها إضعاف الموقف الاستراتيجي الإسرائيلي، وخاصة إذا استقرّت هذه المليشيات في هذه المنطقة وأسّست أنساقا دفاعية وخطوط إمداد مع العمقين السوري والعراقي، مستغلة انشغال القوى الكبرى (روسيا وأمريكا) بالحرب على داعش في الشمال.

تقوم التقديرات الإسرائيلية في شن الحرب بهذا التوقيت على حزب الله؛ انطلاقاً من عدم السماح للترتيبات الإيرانية بالاكتمال في الجبهة المقابلة، وتحوّلها إلى أمر واقع يصعب إزاحته بعد ذلك، واعتقاد إسرائيل أن حزب الله الآن يمّر بمرحلة ضعف مفصلية نتيجة استنزافه في سوريا بشكل كبير، وانتشاره على مساحة واسعة، ما يفقده التركيز في الرد على إسرائيل. ورغم المخاطر التي تنطوي عليها هذه الحرب، إلا أن التقدير الإسرائيلي يذهب إلى أن تلك المخاطر ستكون أكبر فيما لو انتهت انشغالات حزب الله وإيران في العراق وسوريا، حيث سيكونان أمام مرحلة ترميم قوتهما العسكرية وتحشيد آلاف المقاتلين على الحدود، كما ستعمل الحرب مع إسرائيل على ترميم صورة الحزب وإيران في الشارعين العربي والإسلامي؛ بعد التأثيرات السلبية التي طالتهما نتيجة حروبهما في سوريا والعراق.

يحاول حزب الله، ومن خلفه إيران، التهرّب من المواجهة المباشرة مع إسرائيل، ويعمل بأقصى طاقته على استيعاب استفزازاتها اليومية التي تهدف بشكل واضح وعلني إلى استدراجه للاشتباك معها. ويفعل الحزب ذلك انطلاقا من قناعته بأن الحرب مع إسرائيل لا تشكّل له أولوية؛ ما دامت الأمور غير مستقرة لصالح حلفائه في سوريا والعراق، وأنه (أي الحزب) يعمل مع إيران على صناعة مشهد استراتيجي، ستكون له، في حال اكتماله، تأثيرات بعيدة المدى على الوضع الإقليمي؛ تجعل إسرائيل وغيرها يخضعون للأمر الواقع الذي ستتم صناعته، والذي ستتشكّل عناصره من تموضع عشرات آلاف المقاتلين على خطوط التماس السورية، مدعومين بخطوط إمداد مفتوحة من إيران مباشرة، وعشرات القواعد الثابتة في الأراضي السورية، بالإضافة إلى مصانع إنتاج الذخيرة والأسلحة التي سيجري تشغيلها في سوريا ولبنان، الأمر الذي سيؤدي إلى انقلاب المشهد الاستراتيجي كلية لصالح إيران ووكلائها.

بالإضافة لذلك، ما يشجع إسرائيل على تطوير الحرب، التي بدأت بشنها بالفعل على حزب الله، وتحويلها إلى حرب كاملة الأوصاف، التشجيع الأمريكي، والذي يأتي في سياق استراتيجية ترامب في الحد من نفوذ إيران عبر ما يسمى بتقطيع مناطق نفوذها وتقليم أذرعها، بعد أن أكدت الإدارة الأمريكية أن حزب الله يشكل الذراع الإقليمية الأخطر في كامل المنظومة الإيرانية. كما أن لعبة الموازنة التي تقوم بها روسيا في المنطقة، والتي تهدف إلى إرضاء الجميع وعدم إغضاب أي طرف، تشكل محفزاً لإسرائيل لتطوير الحرب ضد حزب الله، وخاصة أن روسيا تفصل بين تحالفها مع الحزب في سوريا وصراعه مع إسرائيل، باعتبار أن هذا الأمر خاضع لتقدير المصالح الأمنية الإسرائيلية، ويجري خارج إطار المصالح الأمنية الروسية المحصورة في سوريا.

من المبكر السؤال عن الكيفية التي ستنتهي إليها الحرب والزمن الذي ستستغرقه، لكن الحرب بدأت بالفعل، وكونها لا زالت من طرف واحد، فذلك لا ينفي صفة الحرب عنها. ويكفي للتدليل على حقيقة أن قطارات الحرب قد انطلقت على سككها، أن الرأي العام الإسرائيلي والدولي صارا مهيأين بشكل كبير لتقبل فعالياتها، وحتى التعايش معها.

غازي دحمان – عربي21

مشاركة المقال !

اترك تعليق