الثورة السورية.. فرص ورسائل

0

المرحلة الحالية التي تمر بها الأزمة السورية هي المرحلة النهائية التي قد تمتد لبضعة أشهر. وقياسا بعمر الأزمة في سوريا تعتبر فترة الأشهر القادمة “الستة” أعقد مرحلة، والتي سيظهر من خلالها مدى الفائدة والنتيجة المرجوة التي يتوقعها قادة الأنظمة التي ترى في الثورة السورية والثورات العربية خطرا يهدد وجودهم أو وجود أنظمتهم واستمرارها في الحكم.

سوريا التي تقع في موقع استرتيجي بين دول المنطقة، والتي يعلم الجميع أن أي خلل في توازن المنطقة سوف يكون مصدره من سوريا والتحولات التي تحصل فيها، لذلك كان الجميع يسعى إلى ضبط الأوضاع فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى قبل الثورة بسنوات، وكان النظام السوري يدرك هذا الأمر بشكل جيد لذلك كان يستغل هذا الأمر ويتلقى الهبات والمساعدات إن كان من دول الخليج أو من دول أوربا المهتمة بالاستقرار في المنطقة. وكلما كان الضغط يزداد عليه بسبب سلوكه الأرعن أو مغامراته المستفزة كان يتجه مباشرة للارتماء في أحضان إيران بشكل أكبر من ذي قبل ليضغط على الدول الأخرى كي تتجاوز عنه. وقد ظهر ذلك واضحا في حادثة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتشكيل المحكمة الدولية والغضب السعودي وقتها من تورط النظام الواضح في هذه الجريمة.

اعتاد هذا النظام على الابتزاز لعلمه أن سوريا واستقرارها أمر مهم لاستمرار بقية الأنظمة في المنطقة لذلك كان مرتاح البال من ناحية محاولة هذه الأنظمة اللجوء إلى إسقاطه، ولكن المفاجأة كانت من الداخل حين ثار الشعب السوري مطالبا بحقوقه المشروعة فكانت هذه الفرصة لبقية الأنظمة لجعل النظام يدفع الثمن لتصرفاته الرعناء وأيضا كانت فرصة ذهبية لجعل الثورة السورية مثالا حيا يخيف بقية الشعوب التي قد تفكر في الثورة على أنظمتها، فكان من الضروري إطالة أمد الأزمة لأبعد الحدود ونقل مجرياتها ومايحصل فيها من فظائع وانتهاكات بحق الشعب السوري وإظهار الأمم المتحدة بمظهر العجز وعدم القدرة على التدخل لايقاف حمام الدم وإظهار مجلس الأمن الدولي بمظهر المتفرج والمشلول بسبب الفيتو الروسي الموجود بالمرصاد لأي محاولة لحل الأزمة السورية وإزاحة نظام الحكم القائم.

الجميع استثمر في هذه الأزمة وفق ماتقتضيه مصالحه وحسب مايرى الفائدة التي يريدها ويرغب بالحصول عليها، فالأنظمة العربية أرادتها رسالة إلى الشعوب العربية لتقلع عن فكرة المطالبة بالديمقراطية والحرية.

وروسيا أرادتها فرصة للحصول على عقود طويلة الأمد وتثبيت قواعدها العسكرية والعودة إلى الشرق الأوسط من جديد بعد سقوط الأنظمة التي كانت تعتبر من أبرز حلفائها مثل نظام القذافي.

وأوربا التي ترغب في الحصول على فرص استثمارية جديدة وخلاص من الأفراد الذين يحملون الفكر المتطرف والجهادي في مجتمعاتها عبر تسهيل خروجهم إلى سوريا من أجل القتال هناك والاحتراق بنيران الحرب التي لاتبقي ولاتذر.

وإسرائيل التي رأت فيها فرصة لتدمير سوريا بشكل يمنع أي نهضة في حال سقوط النظام الحالي لفترة طويلة تجعل من المستحيل على أي سلطة قادمة أن تفكر بأي حرب أو عداوة معها.

وأمريكا التي ترى فيها موجة قد يمتد تأثيرها إلى أبعد من سوريا بكثير، لذا من الواجب إيقافها بما أنها تمتلك التأثير الأقوى على مجريات الأمور، وتستطيع التحكم بأغلب الخيوط في سوريا.

في الحقيقة ليس من مصلحة أي أحد قيام نظام ديمقراطي في سوريا، وأشد الدول المؤيدة (ظاهريا) للثورة السورية تخشى من قيام نظام ديمقراطي حقيقي في سوريا، لذلك كان من الضروري إطالة أمد الأزمة والوصول إلى الوضع الذي يصبح فيه السوريون مستعدين لتقبل الحل القادم الذي يوقف الحرب الدائرة، ويبدو أننا قد وصلنا الآن إلى هذا الأمر.

النظام السوري يسعى جاهدا الآن لعقد مؤتمرات إعادة الإعمار والمصالحات واستعادة المناطق الخارجة عن سيطرته، وهذه الامور كلها تصب في رغبته في إظهار نفسه أنه قادر على قيادة البلاد من جديد وأن لا حاجة لاستبداله بنظام آخر وأنه لم يفقد صلاحيته بعد.

الأمريكان والروس ومن خلفهم الدول العربية ممثلة بدول الخليج تعمل الآن على تشكيل وفد معارض موحد من أجل المفاوضات القادمة مع النظام، ولكن على ماذا سيتفاوض الطرفان؟..

بقاء النظام السوري برموزه الحالين سيكون السبب الأول والأكبر لفشل أي اتفاق حول سوريا، ولا أعتقد أن الأمريكيين وبقية الفرقاء يغيب عنهم هذا الأمر، وهم يدركون تمام الإدراك أن بداية الحل هي بتقديم كبش فداء يساعد على امتصاص الغضب من أي اتفاق، ويجب أن يكون كبيرا كي يحدث أثرا إيجابيا لدى الشعب الثائر في سوريا ويخفف حدة الاحتقان ويجعل من فرصة العودة إلى الاقتتال ضعيفة نسبيا.

يتم الحديث عن دستور جديد ومرحلة انتقالية وانتخابات بإشراف الأمم المتحدة وإعادة اللاجئين وعن الفدرالية والحكم اللامركزي كعوامل تطمين للشعب السوري، ولكن رغم ذلك فإن وجود رأس النظام في السلطة سوف يشكل عقدة في الحل، وسيكون من الضروري الاتفاق على مصيره، إن لم يكن قد تم تحديده فعلا خلال الاجتماعات التي دارت والترتيبات التي تم الاتفاق عليها.

خلاصة الكلام أن سوريا لن تعود كالسابق، وهذا أمر مفروغ منه، ولكن ماهو القادم؟، وهل هناك تصور حقيقي لدى المعارضة السورية عن شكل الحل، أم انها لاتزال في موقف المتفرج والمنتظر لما ستؤول إليه الأمور في نهاية هذه المرحلة المفصلية التي سترسم مستقبل سوريا، أم أن الدول الأخرى لاتزال ترى فيها فرصة لإيصال الرسائل؟.

بقلم: صدام حسين الجاسر

مشاركة المقال !

اترك تعليق