مفاوضات جنيف إلى متى وإلى أين؟

0

لا تتوقف حدود الدراما السورية عند مسلسل القتل والتدمير والتهجير، ولا عند حدود انحراف الثورة لتصبح حربا وصراعا إقليميا ودوليا، ولا عند هزلية المفاوضات السياسية بموجب حل اقترحه سيرغي لافروف وجون كيري من جنيف في الثلاثين من حزيران 2012 بعد أن أعلن العرب عجزهم وفشل مبادرتهم التي أطلقتها جامعة الدول العربية في تشرين الثاني 2011 وانتهت بعد ثلاثة أشهر بإحالة القضية لمجلس الأمن الدولي الذي بدوره أعلن فشل العالم عن إمكانية الوصول إلى حل أو نهاية.

نصّ بيان جنيف، الذي أبرمه لافروف وكيري على تشكيل هيئة حكم انتقالي ووقف إطلاق النار والإفراج عن المعتقلين واحترام حق التظاهر، واستغرق الأمر سنة ونصف ريثما تمت ترتيبات مؤتمر “جنيف 2” الذي عقد بمونتيرو السويسرية في الـ22 كانون الثاني 2014 بمشاركة 39 دولة و3 منظمات دولية. ورفض يومئذ أحمد الجربا رئيس الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية المشاركة دون ضمانات بتخلي الأسد عن السلطة والإصرار على عدم حضور إيران المؤتمر، لكن حجم الضغوط الهائلة التي مورست على الجربا والمعارضة من الحلفاء الغربيين والعرب، وقبلها ضغوط “الوقت الذي من دم” ما اضطره للمشاركة بعد الموافقة على الشرط الثاني، وهو استبعاد إيران التي أعلن الجربا على أنها عدوة للشعب السوري وشريكة للأسد، ولا يمكن اعتبارها غير ذلك، وحرّم عليها المشاركة كطرف أو سيط أو حتى مراقب في جنيف.

وأعلن الجربا يومها أن الائتلاف لم يساوم على أهدافه وأن طاولة المفاوضات هي طريق ذو اتجاه واحد لتلبية مطالب الشعب السوري وأولها تنحية القاتل عن السلطة. قبل ذلك شهدت المعارضة السورية تجاذبات حمقاء ولغطا مؤسفا خلال مناقشات ومداولات المشاركة في جنيف، ووقع انقسام كبير وتشرذم مخجل لم يسفر عن شيء إلا تسجيل مواقف كشفت عن مراهقة سياسية ومساومات جوفاء لمن تنطع للعمل السياسي و”اندحش” فيه على أكتاف الشعب الثائر والمكلوم، لنرى اليوم كل من كان يعارض العملية السياسية يركض خلفها حتى وإنْ كان من باب السياحة والفرجة وتسجيل حضور في لوبيهات فنادق جنيف والظهور في خلفية المتحدثين كعابر سبيل. وحتى حمَلة السلاح وأدعياء الجهاد الذين اعتبروا المشاركة في جنيف “خيانة” رأيناهم لاحقا يرضخون لما هو أقل وأدنى، بل وفعلوا بالثورة ما فعلوا حتى وصل بهم الأمر لإبرام اتفاقات حصرية بينهم وبين الأسد وإيران وبرعاية روسية لإخلاء المدن السورية من أهلها وتسليمها خالية وتشريد أهلها وتغيير ديمغرافية البلد المستقرة منذ مئات السنين.

فشل “جنيف 2” بسبب إصرار الجربا على شرط رحيل القاتل، فيما أصر وليد المعلم على أن مسألة الرحيل ليست محلاً للتفاوض، مضيفا (في صفاقة معهودة منه ومن معلمه الأجدب) أن سوريا ستبقى تحكم من قبل رجال دولة لا أشباه رجال. واتهم كيري النظام بعرقلة المفاوضات داعياً داعمي الأسد (على استحياء) إلى الضغط عليه ووضع حد لتعنته وأساليبه الوحشية على الأرض، فيما كان الأسد قد سبقه بإعلانه الترشح للرئاسة في حزيران التالي، ليواصل مشوار “الحرب على الإرهاب” والقضاء على “المؤامرة الكونية”، فيما بشّرنا علي حيدر أن لانتوقع شيئا من جنيف، وما يليه من جنيفات، وأن “الحل بدأ وسيستمر عبر الانتصار العسكري للدولة”. قال ذلك بعدما ضمن سلبية وهزالة أمريكية عندما اكتفى أوباما بعقاب الأسد على أكبر جريمة ارتكبها في سوريا قتل خلالها المئات بالكيماوي في الغوطة الشرقية في آب 2013 بمصادرة أداة الجريمة وترك المجرم طليقا يسمح له بالقتل بكل شيء إلا بالكيماوي.

وبعد ذلك بعامين أسودين دمويين صدر قرار مجلس الأمن الدولي 2254 في 18 كانون الأول 2015 بناء على بيان لافروف كيري في جنيف، لتبدأ جولات جديدة من المفاوضات أولاها “جنيف 3” في آذار 2016 بعد رفض المعارضة للحضور في 29 كانون الثاني السابق احتجاجا على مواصلة النظام لحربه على الشعب، ومع أنه لم يتوقف بل أمعن في القصف وارتكاب المجازر إلا أن المعارضة قبلت المشاركة بعد مزيد من الجدل واللغط ونصائح الأصدقاء (وما أكثرهم وما أخلصهم!)، لكن ليس من أجل التفاوض (غيرالموجود أو المتاح أصلا) إنما لمقابلة المبعوث الأممي دي ميستورا وشرح وجهة نظرها وطلباتها بخصوص الأزمة الإنسانية في المناطق المنكوبة والمحاصرة.

ورأس الجولة العميد أسعد الزعبي فيما تولى محمد علوش مهمة كبير المفاوضين (المفاوضين على لاشيء)، وكلا الرجلين يصنفهما النظام وحلفاؤه؛ الأول هارب من الجيش العربي السوري ومحكوم بالإعدام كونه رفض أن يشارك الأسد في جرائمه وآثر اللحاق بثورة أهله وبلده، والثاني يصنفه النظام وتصنفه روسيا وإيران كإرهابي وتطالبان العالم بمحاربته. فأي مفاوضات ترجى في هذه الأجواء والتصنيفات، والمجرم الأكبر يكتفي بإرسال مندوبيه بحماية داعميه لكسب مزيد من الوقت ريثما يتسنى له قتل وتهجير أكبر عدد ممكن من معارضيه واستعادة السيطرة على ما أخذ منه، وإنْ كان ركاما وخرابا مهجورا.

ومضى عام، وحل شباط 2017، وجاءنا دي ميستورا في “جنيف 4″ بما لم تأت به الأوائل، معلنا عن توزيع لـ”الحل” في “سلال” الأولى للحكم والثانية للدستور والثالثة للانتخابات والرابعة للإرهاب، واكتفت المعارضة والنظام بتلقي ورقة “لاورقة” من دي ميستورا، وأعطاهما مهلة شهر أو أقل للدراسة والمناقشة والتعقيب والاستعداد لخوض غمار المفاوضات. لتدار العجلة من جديد نهاية آذار 2017 في “جنيف 5” وليعلنها بشار الجعفري (حرفيا كما فعل معلمه وليد المعلم) أن السلال الأولى ليست محل نظر أو اعتبار بالنسبة للنظام، وأن المسموح بمناقشته والحوار حوله هو فقط “سلة” الإرهاب ومكافحته والحرب عليه، داعيا المعارضة للمشاركة في الحرب المقدسة على الإرهاب إن كانوا يأملون بالعودة إلى سوريا أو يطمحون بتجنب براميله وخراطيمه المتفجرة وما تبقى لديه من ثلاثة أطنان من السارين، كما دعا العالم أجمع لتأييده ودعمه ومساعدته وبالذات على الدول التي تدعم الإرهاب وعلى رأسها طبعا الولايات المتحدة والأمريكية والاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية التي تناهضه العداء بسبب جرائمه وموبقاته وقلة أدبه وزفارة لسانه.

وجاءنا دي ميستورا (بالديب من ديله) عندما قال إن العقبة الأكبر في هذه المفاوضات هي “انعدام الثقة” بين الأطراف السورية، مطالبا بـ”وساطة قد تساعد” في حلحلة الأمور. وبالطبع يقصد المعارضة وحلفاءها (غيرالموجودين أو غيرالفاعلين أو غيرالمؤثرين)، كونه لا يجرؤ على توجيه هذا الطلب للروس أو الإيرانيين، ليس لوقاحتهم وسلاطتهم، بل لعلمه أنهم يقاتلون مع الأسد في معركة وجود، فيما الأمور عند الطرف الآخر ممن يؤيد ويساند المعارضة ليست أولويات، بل إن معظمهم يعضّ اليوم أصابع الندم أنه تهوّر وتجرّأ في يوم على مناصبة “مختار حي المهاجرين” العداء وجاهر بالمطالبة برحيله.

وتتواصل الجهود اليوم في “جنيف 6″ فيما المعارضة معارضات كما كانت، والمعروض أمامها والمتاح لها أقل بكثير مما فات، وعلى الأرض تخلو الساحة للأسد شيئا فشيئا لتأمين مربّعه أو ملجئه، وأسياده الإيرانيون يبتلعون المزيد والمزيد من دمشق بعد أن نجحوا في استمالة جبهة النصرة وإشراكها في مخططهم بإخلاء دمشق و”تطهيرها” من المعارضة والثوار (عدا ونقدا)، كما فعلوا ذلك سابقا في حلب قبل ستة أشهر، وكما ينتهون منه الآن في حمص وحماة، لتبقى مهمة إدلب لتركيا، فيما يتولى أهل الجزيرة استعادة منطقتهم من تنظيم الدولة بدعم التحالف الدولي. دون أن تنتهي مطامع الأسد وحلفاؤه من الكر على كل ما هو خارج سيطرته، أو يقبل الجميع بالتقسيم الذي هدد به الأسد مع أول تدخل دولي للحل في سوريا بعد أن هدد السوريين والعالم بـ”الأسد أو نحرق البلد”.

عبد الرحمن ربوع

مشاركة المقال !

اترك تعليق