أستانة رهان بوتين الأخير في سوريا

0

أخبار السوريين: تبدو جلية مساعي روسيا الحثيثة لإنجاز تسوية سياسية في سوريا بالتعاون مع القطبين الرئيسيين على الساحة تركيا وإيران، وكأنها في مضمار سبق تبحث عن إنجاز ما، وإن كان شكليا، لتخفيف حدة الخسائر الاقتصادية التي منيت نتيجة تدخلها العسكري المباشر، والذي كلفها أكثر من مليار دولار على مدى عام وأربعة أشهر، فيما يعاني اقتصادها نزيفا حادا بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية والعقوبات الأوروبية الأمريكية، فضلا عن تدخلاتها الأخرى في القرم وأوكرانيا التي تستنزف ميزانيتها المنكمشة أصلا وتعاني من عجز خطير تجاوز الثلاثة في المئة، وانخفاضا في قيمة العملة تجاوز 15 بالمئة مقابل الدولار خلال العام الفائت 2016.

فضلا عن ذلك، لم يعد بمقدور روسيا مواصلة أداء دور المؤازر والحليف الاستراتيجي للنظام في سوريا بترسانة متهالكة ورثتها عن الاتحاد السوفييتي وتعجز عن تحديثها بموجب قرارات خفض الإنفاق العسكري والعلمي، وحتى طائراتها الحديثة التي جلبت بعضها إلى قاعدتها في حميميم لا يمكنها إحراز أي فارق مع محدودية العدد وضخامة تكلفة التشغيل، بالإضافة إلى التكلفة التشغيلية التي تعجز عن تحملها ميزانية وزارة الدفاع الروسية، والخسائر المادية والبشرية التي نجمت عن تهاوي طائراتها في البحرين الأبيض والأسود، وأدت إلى وصم العسكرية الروسية بمخاز جعلتها مثار تشفٍ واستهزاء في العالم كله.

منذ بدأ التدخل العسكري السافر لروسيا في سوريا في أيلول 2015 بدا أن الولايات المتحدة الأمريكية قررت إطلاق يد بوتين في سوريا عله يساعد فيما يقوم به التحالف الدولي (على استحياء) بالقضاء على المجموعات والمنظمات التي بات العالم يعتبرها إرهابية، وحدد لحربه معها ١٥ – ٢٠ سنة (اختصره حيدر العبّادي مؤخرا إلى ٣ أشهر!!). وبوتين يريد النجاح في المهمة قبيل استلام دونالد ترامب الذي تبدو سياسته الدولية صندوقا أسودا ولغزا محيرا عجز عمداء السياسة والتحليل الاستراتيجي عن التنبؤ به أو توقعه، وإن كان بوتين يستبشر خيرا بقدومه وعمل مستميتا لدعمه والترحيب به كسيد للبيت الأبيض.

ولكن يبدو الآن جليا أن إدارة أوباما لم تسمح لبوتين بالتدخل في سوريا إلا لتورطه بالغرق في المستنقع السوري، وتجبره على تحمل تكاليف باهظة تنوء بحملها ميزانية روسيا المثخة والمنكمشة بالفعل. وأوباما، كما الجميع، ما عدا الأسد وحلفاؤه في طهران وموسكو، يدرك أن الحرب الدائرة في سوريا لا يمكن حسمها عسكريا، فهي ليست حربا من حروب العصور الوسطى تنتهي بهلاك طرف وانتصار آخر، وليست حربا بين دولتين متمايزيتن.

إنها حرب لا أخلاقية قذرة يشنها نظام على شعبه بدعم من حلف مكون من روسيا وإيران. روسيا التي تبحث عن موطئ قدم في المياه الدافئة، وعن ورقة تفاوض بها الغرب لإيقاف تآكل رقعتها الجغرافية وإلغاء عقوبات اقتصادية قزّمت اقتصادها وتسببت بانكماشه وانهيار قيمة عملته. وإيران التي تسعى باستماتة لمنع انهيار مشروعها في البلاد العربية الذي استثمرت فيه لسنين عديدة نصيبا هائلا من ميزانيتها وكوادرها في سبيل بناء طوق عربي مؤيد وداعم يسوسه عملاء لنظام الملالي يسخرون البلاد والعباد لخدمة أوامر ورغبات أسيادهم في طهران وقم.

والمدة التي حددت لبوتين في سوريا، وستنتهي مع استلام ترامب الزمام في البيت الأبيض، تتآكل وتضغط على سيد الكرملين لإنجاز كل وأقصى ما يمكن، حتى وإن اضطر مرغما للتحالف مع غريمه اللدود أردوغان، ولكن العمل مع تركيا لا يبدو سهلا، رغم حرص أنقرة على إنجاز نهاية للأزمة السورية التي تعاني منها أكثر من أي دولة في العالم، بل تعاني منها بما يفوق معاناة دول العالم أجمع، ومن هنا نلحظ فقز بوتين فوق كل الحواجز والعقبات في طريق تقاربه مع أردوغان والتنسيق معه في سوريا مستغلا الظرف التركي الداخلي الذي يئن تحت وطأة الإرهاب وحنق أنقرة على الغرب الذي اعتبرته متواطئا في محاولة إنقلاب تموز 2016 الفاشلة وتتهمه بالتقصير في تحمل مسؤولياته في سوريا وتجاه اللاجئين على أراضيها.

كما يسعى بوتين لاستغلال حالة “التخلي” عن المعارضة والتوقف عن دعمها من قبل أصدقاء سوريا من الدول العربية والاتحاد الأوروبي، والمكاسب العسكرية التي تم تحقيقها في حلب مؤخرا، لإنجاز هدنة بطعم الاستسلام، عازلا ومجمدا فصائل المعارضة المعتدلة بما يمنعها من أي هجوم ويضعفها إزاء أي دفاع، مطلقا لنفسه وللأسد وسليماني نصر الله العنان بلا أي حدود أو قيود بذريعة محاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية، ولا باس من اتهام أي تجمع أو تواجد لمسلحي المعارضة وفصائلها يتم استهدافه أنه من داعش أو النصرة، وكذلك أي منطقة تخضع لسيطرة المعارضة بأنها تؤوي إرهابيين، طالما أن أحدا لن يراجع وراء آلتي روسيا وإيران الإعلاميتين اللتين تضخان يوميا كمًّا هائلا من الأكاذيب يصعب متابعته ويستحيل تفنيده فضلا عن الاهتمام به من أي جهة دولية أو محايدة.

ولكن تبقى محاولات روسيا ومساعيها السياسية في سوريا رهينة الموافقة والاعتراف الدولي والذي لاحت بشائره بإيفاد مساعد لدي ميستورا إلى مباحثات أستانة التي ترعاها روسيا وتركيا ووافقت عليها إيران، كما لم يبق مسؤول في العالم له علاقة بالشأن السوري إلا وأكد أن هذه المباحثات ليست بديلا عن مفاوضات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة برئاسة الولايات المتحدة وروسيا، وعلى الأرض لا شيء يبشر بأي اتفاق قد ينجز في أستانة والنظام والميليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية الحليفة له يخرقون الهدنة على مدار الدقيقة منذ أن أعلن عنها ليلة الجمعة 30 كانون الأول 2016.

ووفد المعارضة المزمع مشاركته في مباحثات أستانة لا يبدو في حل من غض الطرف عن هذه الانتهاكات اليومية، أيا كانت ذرائع هذه الانتهاكات الخطيرة، كما تبدي تركيا استياءها منها للغاية، فيما يواصل الجيش التركي حشوده وتعزيزاته على الحدود السورية للدخول بقوة أكبر لتأمين كامل المنطقة في ريفي حلب والرقة الشماليين، بعد أن يئست أنقرة من المماطلة الأمريكية في إخراج الفصائل الكردية من المنطقة، وعجز التحالف الدولي عن دحر داعش، مستغلة التقارب مع موسكو لتحقيق أهدافها في تأمين حدودها مع سوريا وضبطها ما أمكن، لتخفيف نزيف الأعمال الإرهابية المتواصل في عمق المدن التركية وحواضرها.

إذا فالرهان الروسي على إمكانية أن تسفر مباحثات أستانة انفراجة في الأزمة السورية بإيقاف الحرب وبدء عملية سياسية يبدو رهانا غاية في الجرأة ومغامرة محفوفة بالمخاطر وسيرا في حقل كثيف الألغام، وهذه المهمة – الفرصة (التي تبدو أخيرة لروسيا وليس لسوريا) إما أن تحفظ لبوتين ماء الوجه أمام العالم إزاء تدخله في سوريا، وإما أن تقحمه من جديد في خضم معركة جديدة إلى جوار حلفائه في دمشق وطهران، لا يبدو أنه قادر على مواصلتها وتحمل تكلفتها، وستورثه المزيد من العزلة والعقوبات.

عبد الرحمن ربوع

مشاركة المقال !

اترك تعليق