اتحدوا أيها الحمقى! كيف نسمعها داخل الغوطة ؟!

0

أخبار السوريين: أيها الحمقى المغفّلون!.. ضيّعتم الثورة، شوّهتم صورتها ونقاءها، جعلتم منها مادّة دسمة للشامتين من شبيحة الأسد، ومادّة انتقادٍ لاذعٍ يرمينا بها الذين كانوا يؤمنون يوماً ما بثورة الشعب السوري… اتحدوا أيها الحمقى! الحافلات الخضر صارت على أسوار الغوطة، وأنتم عنها غافلون، وفيما بينكم متناحرون متقاتلون…هل لهذا خرجتم؟! هل لهذا رفعناكم على الرؤوس؟! سوّدتم وجوهنا سوّد الله وجوهكم!

هذه الصرخات الصادقة في كثير من الأحيان يبعث بها إلى الغوطة طيفٌ واسعٌ من الناقمين على وضع الغوطة الحالي، وهل يرضى بهذا الوضع أحد؟!

لكن لعلّ انشغال أهل الغوطة، بمقارعة أعدائهم على الجبهات، والانغماس والاقتحام والاشتباك، وهمَّهم المتواصل من لملمة جراحهم ودفن شهدائهم واستخراج أهاليهم من تحت الركام، حال دون وصول الإجابة إلى أصحاب هذا النوع من الصرخات، ولعلّ الوقت قد حان لتخرج الإجابة من قلب كواه الأسى وأدماه توالي الطعنات من مختلف الجهات.

لقد حوصرنا منذ أكثر من أربع سنوات، فأرسلتم إلينا بجيوش فكّ الحصار سلاسلَ متواليةً من المقالات والتقارير الصحفية.

أكلنا في الغوطة ورق الشجر، ورأينا هياكل عظمية تمشي بيننا، فسُيّرت إلينا قوافل من آلاف الدقائق التلفزيونية.

أفاض علينا الأسد بالكيماويّ والعنقوديّ والنابالم والقتل المحرّم والقتل المباح، فأفضتم علينا بملايين التغريدات التي تشجب وتستنكر.

حُرمنا السلاح الذي ندافع به عن أنفسنا، فزوّدتمونا بأسلحة من الكلمات الغاضبة التي تخدّرون بها ضمائركم لتشعروا أنّكم قدّمتم شيئاً.

وفي ظلّ هذه الظروف العصيبة، والخذلان من القريب والبعيد إلا من رحم ربّي، طوّرنا أساليبنا في الصراع من أجل البقاء على قيد الثورة، اشتدّ علينا الحصار، فأكلنا رغيفاً كل يومين، وأكلنا الحشائش نسدّ بها رمقنا، حُرمنا المواد الأولية، فحفرنا الأنفاق بأيدٍ وأجساد منهكة لنؤمّن أساسيات الغذاء والحرب.

ساد التفرّق أرجاء سوريا، فوحّدنا صفوفنا في العسكرة والقضاء والاقتصاد والتعليم والإعلام، مُنع عنّا السلاح، فأنشأنا رغم شُحّ الموارد مصانع للتسليح ليس في كل الأراضي المحررة في سوريا مثلها.

تحمّلنا القصف بأشد الأسلحة، وقاومنا على الجبهات المرتزقة والمجرمين وشُذّاذ الآفاق القادمين من كل فجّ وصوب، وواصلنا الثورة رغم كل المعوّقات، ورغم الطعنات التي لا تنتهي.

أمّا أمّهاتنا وزوجاتنا وأخواتنا، فتلك حكاية أخرى من الصبر والصمود والتضحية والبذل، رغم ما في قلوبهنّ من لوعات تهدّ الجبال هدّاً.

هذا حالنا، وبينما نحن على هذه الحال من التصدّي لشراسة العدو والمعاناة من خذلان الصديق، إذ تلقّت الغوطة طعنةً من مأمن!!

أجل، لقد جاءت الطعنة من حيث لم يحتسب أحد، ومن مكان قريب جداً، فانغرست في الخاصرة انغراساً، وأعملت في الجسد طعناً، وتسبّبت بإضعاف القوة، وخسارة الغوطة لسلّتها الغذائية في قطاعها الجنوبي، وانقسامها إلى مناطق نفوذ. طعنةٌ شقّت الصفّ، وسفكت الدم، وسلبت الحقوق، وفتّتت المجتمع، وأشمتتْ الأعداء. طعنةٌ ما زلنا نحاول التعافي منها حتى اليوم بكل ما نملك: بالحراك الشعبي للضغط باتجاه الحل، وبنداءات إلى من يملكون حقيبة طبيّةً أن توقّفوا عن استعمال المرهم وحده فإن الجرح عميق!

ونحن نعيش هذا الألم بعد تلك المقاومة وذلك الخذلان، توقّعنا من أولئك الذين سبق أن أمطرونا بتغريداتهم ودقائقهم التلفزيونية أن يقفوا معنا على الأقل بالوسائل ذاتها، وأن يعينونا على أن نوقف الخنجر الذي ما زال يقسم الغوطة إلى نصفين، فيحول دون رتق جرحها ووقف نزيفها. لكن المفاجأة كانت أنّنا ما وجدنا من فئة منهم سوى السبّ والشتم والخطاب المستعلي الذي قرأتموه في بداية المقال، وكأنما لم يخلق الله أحداً حريصاً على التوحّد ورصّ الصفوف سواهم، وكأنما أهل الغوطة، لم يبذلوا كل وسيلة ولم يسلكوا كل طريق في محاولات رصّ الصف من جديد وتقليل الأضرار واستعادة العافية.

هذا الخطاب الاستعلائي الوصائي مرفوض لدينا داخل الغوطة، ولا يظنّنَّ ظانٌّ أننا ننظر إليه وهو يطرح هذا الخطاب على أنه مشفق حريص علينا وعلى ثورتنا، بل إننا، مع كل الاحترام والتقدير للصادقين، لا نرى هذا إلا تهرّباً من المسؤولية، ومحاولة إساءة لنا ولتضحياتنا لن تصيب إلا قائلها.

من كان مشفقاً حريصاً، فليتقدّم خطوةً إلى الأمام، وليقف إلى جوار الحراك الشعبي الذي هبّ إلى الشارع يطالب بحقوق المواطن البسيط، ومن أهمّها أن تشترك الفصائل في غرفة عمليات تمنع اقتحام غوطته وتبعد الخطر عنها.

من كان مشفقاً حريصاً، فليمارس ضغطاً حقيقياً على الفصائل داخل الغوطة، لتستجيب لمطالب الشارع العادلة.

من كان مشفقاً حريصاً، فليحرّك الجهات العسكرية والسياسية والشرعية التي تمتلك القدرة على الضغط، لتمارس دوراً فاعلاً في قضية الغوطة، وتُنقذ الثورةَ من أن تصبح ثورةً بلا قلب!

أما من ترك العمل الجاد، وانطلق يشتم الجميع ويخوّن الجميع (شعباً وفصائل ومؤسسات)، ويظنّ أنه بذلك يحسن صنعاً، فقد خاب مسعاه، ولسنا بحاجة إلى شفقته وحرصه إن كانت من هذا النوع.

يهمّني أن أشير أخيراً إلى أن هذا الرفض وهذا الانتقاد، ليس متجهاً لمن ساند الثورة والغوطة بالقلم والصوت والصورة، وكيف لي أن أنتقد ذلك وأنا إعلامي لا ينصبّ عملي إلا على هذا، وليس متجهاً لمن يسعى في الإصلاح الجاد، ويتفانى في ترميم ما تهالك من بنياننا ورتق ما انفتق من جرحنا.

كما أنه ليس متجهاً لأهل الخير ممن ساندوا الثورة والغوطة بالمال والإغاثة، فأعانوها على الصمود ووقفوا معها في أحلك المحن، فهؤلاء لا تكفي الساعات التلفزيونية الطويلة لشكرهم والثناء عليهم، وهم ليسوا ممن يطلب ذلك أصلاً، فدعوة عجوز مختلطة بدمعها تكفيهم رضىً وسعادةً أبد الدهر.

وإنما الرفض كل الرفض، متجّهٌ لتلك الفئة التي تظنّ أنها أوتيتْ حكمةً وحرصاً ما رزق الله مثلهما لرجل واحد في الغوطة بأسرها، فكان مشروع حكمتها أن تجول الألسنة وتصول في القدح في أهل الغوطة، وحرصهم على ثورتهم، وهي تظنّ أنّها ممتنّة على الغوطة، من قبل ومن بعد، فأمثال هؤلاء لا أحاج الله الغوطة إلى منّتهم، ولا أسمعنا الله صوت حرصهم المزعوم، فما زادوا جرحنا إلا اتساعاً، ولا حالنا إلا ألماً.

محمد حسن المصري

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.