أعياد الميلاد في ألمانيا لهذا العام بنكهة سورية

0

أخبار السوريين: يسمع المتجوّل في شوارع برلين أو كولن أو دوسلدورف لهجات لم يكن يسمعها العام الماضي في شوارع ألمانيا. حلبيون يتحدثون عن الطعام و”شوام” (دمشقيون) يتكلمون عن الطقس وحماصنة يتبادلون النكات. آلاف العائلات السورية اكتشفت في 2015 هذا البلد – الحلم وتحاول أن تجد لها موطئ قدم فيه. قلّة منهم نقلتهم الطائرات، والمتبقون عبروا مشياً بعدما تقاذفتهم أمواج البحر في مراكب تشبه المراكب الورقية.

طارق شاب في الثلاثين من عمره، قطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام من اليونان باتجاه ألمانيا بعدما قضى والده خلال قصف للقوات النظامية على دكانه في ريف دمشق. يجد طارق صعوبة في تعلّم الألمانية، ليس لصعوبتها فقط بطبيعة الحال، بل لكونه لا يقرأ ولا يكتب أصلاً، لا باللاتينية ولا بالعربية. يذهب طارق كل يوم إلى درس اللغة لتعلم كتابة أو “رسم” الأحرف كما يقول. يعبّر عن سعادته بحياته الجديدة في ألمانيا “على رغم غلاء سعر السجائر فيها”، وعند سؤاله عن العمل الذي يود مزاولته في البلد الجديد مستقبلاً يجيب بالقول: “الله كريم!”.

ومثل طارق مئات الآلاف ممن وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها في بلد أوروبي مثل ألمانيا وغيرها. علماً أنه جراء الدمار الهائل الذي أصاب سورية على جميع المستويات، لم يعد النزوح مقتصراً على طبقة اجتماعية معينة، بل إن شرائح اجتماعية واسعة ومن طوائف متنوعة ممن سبق أن أيدوا النظام نالوا نصيبهم أيضاً من سياساته الحمقاء وبطشه الأعمى، لتتحول وعوده لهم بالنصر القريب إلى كوابيس ترافقهم في رحلة اللجوء.

وبطبيعة الحال انتقلت مشاكل السوريين معهم إلى حيث أتوا، وأضيفت إليها مشكلات أخرى تخص التكيّف وتعلم اللغة والعمل في المجتمع المضيف. ومن أبرز ما حملوا معهم تلك الرواسب النفسية من “إنجازات” العهد البعثي كمحاولة الالتفاف على القانون وتحصيل أكبر قدر من المعونات التي تتعدّى حاجاتهم أحياناً وكأنها قسائم بنزين مجانية كالتي توزع للمسؤولين وأبنائهم في سورية.

وأوّل المصاعب التي تواجه اللاجئين لدى وصولهم إلى ألمانيا هي مكان الإقامة. فبعد حشد المئات منهم في مهاجع هي عبارة عن ثكنات وملاعب ومدارس مهجورة حيث تغيب أبسط حدود الخصوصية للأفراد والعائلات، يتم فرز اللاجئين إلى بيوت حيث توضع في البيت الواحد عائلتان أو أكثر إلى أن يصدر قرار محكمة اللجوء. لطيفة، البالغة من العمر 40 سنة، نُقلت من المهجع إلى المشفى بسبب إغماء أصابها نتيجة الاكتظاظ . وتصرّ لطيفة عند زيارة الأطباء إياها على بقائها في المشفى، حتى لو اضطرها الأمر إلى التظاهر بالألم أحياناً. وتقول: “كل شي أفضل في المشفى، الأمان، النظافة، الطعام، المراحيض، وحتى السرير”.

ويحصل السوريون في ألمانيا حالياً على قرار الموافقة على اللجوء بسلاسة، ما يدفع العديد من القادمين من دول عربية أخرى كعراقيين ومغاربة إلى تقديم أنفسهم كسوريين من دون أوراق ثبوتية.

ومن المشاكل التي يعاني منها اللاجئون السوريون لاحقاً هي مسألة البحث عن شقة مستقلة، إذ لا يحبّذ معظم الألمان تأجير شقق لأجانب أو لاجئين من أصول عربية أو إسلامية، حتى لو تمّ تقديم ضمانات مادية للمؤجر. ويسرد علي قصته في البحث عن سكن لأهله في مدينة كولن، فيقول “منذ 6 أشهر أتنقل بحثاً عن منزل لأهلي في كولن من دون جدوى، وعلى رغم عرضي دفع الإيجار مقدماً لسنة كاملة، يرفض المؤجرون عرضنا، لأنّهم ببساطة لا يريدون أجانب”.

ولن يكون تعلّم اللغة الألمانية على السوريين البالغين سهلاً، لسبب بسيط هو أنّ هؤلاء ترعرعوا في كنف نظام عمل عقوداً على تهميش دور اللغات الأجنبية وأهمل تعليمها لحجج واهية تتصل بالتشديد على الهوية العربية والابتعاد عن النزعات الاستعمارية. كما اقتصر تعليم اللغات الأجنبية في المدارس الخاصة على الإنكليزية والفرنسية.

وألمانيا التي تحب العمل وتشجع عليه، غنيّة بفرص للعمل في المجالات كافة فور إتقان اللغة، لذا يبقى على الشباب السوري اقتناص فرص العمل والتفاعل مع المحيط الاجتماعي ليبرع في عمله، فمعلوم أن أعداداً هائلة من أبناء الطبقة الوسطى السوريّة نقلت معها شهادتها العلميّة وخبراتها إلى ألمانيا.

ولعلّ أهم القضايا المطروحة التي تواجه اللاجئين، ومنهم السوريون في ألمانيا، هي مسألة الاندماج، ولن يجد السوريون القادمون تواً من مجتمع شرقي يسراً في الاندماج في المحيط الألماني والتأقلم مع قيمه، ولا شك سيتعرضون في البداية لما يسمّى “صدمة حضارية”، لن ينتشلهم منها إِلا نقد جذري وعميق لمنظومة القيم الأخلاقية التي يحملونها، وبناء منظومة قيم جديدة تلائم المجتمع الجديد. وهذا الأمر لن يكون سهلاً ولا سريعاً، لكن من دونه لن تنجح أي خطوة على طريق اندماجهم في ألمانيا أو سواها من البلدان الأوروبية.

وبغضّ النظر عن الكارثة التي لحقت بسوريا والتمزّق الذي أصاب مجتمعها، اكتسب السوريّون اللاجئون في ألمانيا فرصة لحياة جديدة، فكأنهم ولدوا من جديد. بناءً على ذلك، يمكن اعتبار عام 2015 عام ميلاد جديد لكثير منهم، وليس أمامهم مع الأفق المسدود حتى اللحظة في سورية إِلا التكيف والاندماج في البلد الجديد، فضلاً عن اكتساب خبرات ومعارف جديدة تضيف إلى حياتهم السابقة حيوات قد يُحسدون عليها مستقبلاً. DW

مشاركة المقال !

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.